FINANCIAL TIMES

الحلول الوسط تموت في عصر الغضب

في كثير من الأحيان لا أجد نفسي متفقا مع إستير ماكفي، لكنني تساءلت هذا الأسبوع عما إذا كانت المرشحة لمنصب زعيم حزب المحافظين البريطاني قد نطقت بالحقيقة عن غير قصد: "الأشخاص الذين يقولون إننا نحتاج إلى سياسة بريكست لنلم شتات الشعب يفسرون الموقف بشكل غير صحيح. من الواضح أن ذلك غير ممكن".
يبدو أن البريطانيين في الواقع ليس لديهم مزاج للتوصل إلى حل وسط. نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي أفضت إلى تأييد مدو للأحزاب التي ترفض بفخر محاولة إيجاد أرضية مشتركة بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. تم ذبح حزب المحافظين وحزب العمل، كلاهما كانا أسير تداخل غريب. حزب العمل قدم شعار "دعونا نلم شمل شتات بلادنا معا". ها! فضل الناخبون الديمقراطيون الأحرار ("تبا لبريكست") وحزب بريكست ("إنهم مرعوبون تماما منا").
أحيانا يكون الموقف المتطرف هو الموقف الصحيح. عندما اقترح الملك سليمان قطع الطفل إلى نصفين، لم يكن لأنه كان يبحث عن أرض مشتركة. لكن القدرة على إيجاد حلول وسط أمر جيد. قد تختلف المواقف، لكن سواء كنا نعيش في المنزل نفسه، أو على الجانب الآخر من الكوكب، فإننا نستفيد عندما نتمكن من إيجاد طريقة للانسجام.
إذا كان هذا النفور الجديد من الحلول الوسط يمثل مشكلة، فالمملكة المتحدة ليست وحدها. يبدو أن المواقف تتصلب في كل مكان. الشرايين المتصلبة قد تؤدي إلى نوبة قلبية للديمقراطيات الغربية. ربما كان ذلك مدفوعا بالشخصيات. بالنسبة لرجل يزين اسمه كتابا بعنوان "فن الصفقة"، فإن دونالد ترمب، وعلى نحو غريب، ليس مهتما بالتفاوض على اتفاقيات دائمة مع أي شخص. أو ربما هي وظيفة نظام بيئي معلوماتي يكون الغضب فيه رائجا.
ربما المشكلات نفسها مستعصية أكثر. بعض القضايا لا تصلح للتسوية. وقضية بريكست هي أحدها. إن فك الخلاف بين أنصار البقاء وأنصار الخروج الصعب أقل شبها بتقطيع الكعكة وأكثر شبها بنثر مكوناتها في كل مكان. بيضة على وجهي، طحين على وجهك، ولا أحد راض جزئيا.
الإجهاض مشكلة أخرى. هناك قضية مبدئية يتم تقديمها لحق المرأة المطلق في السيطرة على جسدها. هناك أيضا قضية مبدئية يتم تقديمها للحق المطلق في حياة الجنين. لكن مثل المدفعية التي لا يمكن إيقافها والموقع الثابت، لا يمكن أن يكون كلا الحقين مطلقا بشكل متزامن.
في المقابل، ربما لا تزال مشكلات معقدة وعاطفية أخرى تسمح بالحلول الوسطية. فيما يتعلق بتغير المناخ، يمكننا أن نتغاضى ولا نفعل شيئا، أو يمكننا قلب نظامنا الاقتصادي رأسا على عقب، لكن هناك كثيرا من الحلول الوسط بين تلك الخيارات. في المفاوضات التجارية، فإن نتيجة ذات منفعة متبادلة دائما تقريبا ما يتم التوصل إليها.
كتيب روجر فيشر وويليام يوري الكلاسيكي للمفاوضات "الوصول إلى نعم" يوجه نصائح للحصول على الموافقة (نعم) كالتالي: ركز على المشكلة بدلا من الشخصيات؛ استكشف المصالح الضمنية بدلا من المواقف الصريحة؛ ضع في الحسبان الخيارات التي قد تفتح مجالا لتحقيق منفعة متبادلة.
ربما نجد طريقة أفضل بكثير لتقسيم الكعكة إذا اكتشفنا أنك تتخلص من كريمة السكر لترميها في سلة المهملات، بينما كنت أنا سآكلها بسعادة بالملعقة. إنه لأمر مدهش في بعض الأحيان إلى أي مدى يمكن أن تنتهي المفاوضات المبدئية بإعطاء كلا الطرفين ما يريد.
من الواضح أننا البريطانيين فشلنا في اتباع هذه النصيحة. نقاشنا ينطلق من خلال التركيز المرير على الشخصيات، من تيريزا ماي إلى نايجل فاراج إلى جيريمي كوربين إلى "نخبة أنصار البقاء" العامة. كل جانب يعرف ما يريده الآخر لكنه يبدي قليلا من الاهتمام بسبب رغبته في ذلك. من دون استكشاف صادق للأهداف والقيم الأساسية للقبائل المتحاربة، لن تكون هناك فرصة لإيجاد نتيجة يمكن للجميع قبولها.
النقاش الأمريكي يبدو كذلك نقيض نصيحة فيشر ويوري. كثير من الناس الناشطين سياسيا يسعون إلى إذلال القبيلة الأخرى. يبدو أن رفض التسوية باعتبارها هدنة جبانة هو الأسلوب الرابح، خاصة في الانتخابات الأولية التي حددت لهجة السياسة الأمريكية.
التسوية، مع ذلك، غالبا ما تكون ممكنة حتى في المواقف غير الواعدة. بالنسبة للإجهاض، مثلا، تبرز التسوية مع التركيز ليس على الحقوق المُطلقة لكن على الجوانب العملية. يمكن لكثير من الناس أن يدعموا سياسات للحد من حالات الحمل غير المرغوب فيها، ولجعل عمليات الإجهاض آمنة ومنظمة أكثر من كونها خطيرة وغير مشروعة. إنها أرضية مشتركة كثير من الدول تمكنت من إيجادها.
يمكن للمرء أن يرى السياسة باعتبارها رياضة تنافسية أو بحث عن الحلول. هناك حقيقة في كلا الرأيين. مع ذلك، الانتخابات الديمقراطية أقرب بكثير إلى المنافسة من التفاوض القائم على مبدأ. ألا نرغب في رؤية الفريق الآخر مهزوما هزيمة ساحقة؟ ألا نستهجن سلوكهم البغيض ونضحك على حظهم العاثر؟ من يريد تحقيق نتيجة متساوية؟
لا أرغب في تبجيل التسوية باعتبارها المصلحة العليا في السياسة. في بعض الأحيان يكون من الصحيح حقا أننا، أنت وأنا، عزيزي القارئ، على حق تماما وأنهم مخطئون تماما. (ربما حتى يكون صحيحا أننا مخطئون تماما وأنهم محقون تماما). وفي كلتا الحالتين، يجب موازنة الأسس الموضوعية للقضية مقابل الأسس الموضوعية لمحاولة احترام الجميع. إحساس الفوز رائع، لكن هذه ليست حكاية خرافية: لن يضرب الخاسرون بأقدامهم على الأرض ويتلاشون فيها. هم - أو - نحن لن نذهب إلى أي مكان.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES