FINANCIAL TIMES

«الامتياز المفرط» للدولار نتيجة إهمال أوروبا

انتقادي المتكرر لسياسات الاتحاد الأوروبي لا يقابله سوى إعجابي بآبائه المؤسسين.
روبرت شومان، وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، أورد في بيانه في التاسع من أيار (مايو) 1950 حكمة ثمينة من الأفضل لقادة اليوم أن يفكروا فيها بإمعان، في وقت يتم فيه اتخاذ قرارات مهمة بعد الانتخابات الأوروبية.
كتب أن السلام العالمي يتطلب "جهودا مبتكرة تتناسب مع المخاطر التي تهدده". وتاريخ الاتحاد الأوروبي يعكس لنا صعود وسقوط الإبداع السياسي.
هناك أوجه تشابه بين اليوم وعام 1950. مرة أخرى أوروبا تجد نفسها عالقة في نزاع بين الشرق والغرب. لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يفي بمصالحه الأمنية في شكل أجهزة دولة قومية صريحة، مثل جيش أوروبي واحد تحت هيكل قيادي مشترك. فرنسا قتلت هذه الفكرة في عام 1954، عندما رفضت التصديق على اقتراح يتحدث عن دفاع أوروبي مشترك.
الشيء الأكثر إبداعا الذي يمكن للاتحاد الأوروبي أن يفعله في ظل الظروف الحالية هو الاستفادة من الأدوات التي لديه وتحويلها إلى أدوات جيوسياسية. من بين هذه الأدوات، ليس هناك ما هو أكثر قوة من اليورو، خاصة إذا تم دمجه مع اتحاد عميق لأسواق رأس المال، وسندات خزانة لعموم منطقة اليورو، وأذونات خزانة. إذا كان هناك سبب واحد للحفاظ على اليورو، فهذا هو.
المكانة العالمية الرائدة للدولار هي التي أعطت الولايات المتحدة "امتيازا مفرطا"، كما قال الرئيس الفرنسي الأسبق تشارلز ديجول على نحو لا ينسى. بقوله لهذه العبارة كان يعني قوة تمتد إلى ما هو أبعد مما يمكن توقعه بشكل معقول.
مقارنة بالجيل الحالي من القادة الأوروبيين كان لدى ديجول فهم أعمق بكثير للصلة بين الدور الدولي للعملة والقوة الجيوسياسية. من المثير للاهتمام التكهن بما كان سيفعله لو كانت أداة مثل اليورو تحت تصرفه.
الدبلوماسية التي وراء انهيار اتفاق إيران النووي هي مثال جيد على كيفية استخدام الأدوات المالية في السياسة الخارجية للقرن الحادي والعشرين.
عندما انسحب دونالد ترمب من الاتفاق العام الماضي، فرض عقوبات على إيران وعلى أي شركة من البلدان الأخرى التي تزاول أعمالا تجارية هناك.
تمكن الرئيس الأمريكي من فعل ذلك لأنه يتمتع بسلطة منع وصول الشركات الأجنبية إلى أسواق رأس المال الأمريكية ومنعها أيضا من المعاملات بالدولار - بما في ذلك معظم تلك التي تتم خارج الولايات المتحدة.
قدمت كل من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة ردا واضحا على هذا التهديد الحقيقي للغاية: أنشأت "إنستيكس" Instex، وهي أداة ذات غرض خاص يتمثل في حماية الشركات الأوروبية المهددة بالعقوبات. تبدو الفكرة مثيرة للإعجاب حتى تنظر بدقة أكبر في "إنستيكس"، وتجد أنها دون مضمون.
لا يمكن للشركات الأوروبية الدولية ببساطة أن تعزل نفسها عن أسواق الدولار، حتى لو تم التعهد بتعويضها عن خسارة أعمالها مع إيران. والمصارف التي تقرضها لا يمكنها أن تفعل ذلك أيضا. "انستيكس" هي أداة تأمين مختلة وظيفيا لتجار السجاد الصغار - ورمز مناسب للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.
الحقيقة هي أن الاتحاد الأوروبي ليس لديه أدوات سياسية فعالة للدفاع عن نفسه ضد العقوبات الأمريكية الثانوية. لا توجد سوق رأسمال أوروبية عميقة تسمح للاتحاد الأوروبي بالانتقام من خلال منع شركات أمريكا ومصارفها. بطبيعة الحال، إذا كان لدى منطقة اليورو أصول آمنة كبيرة وسائلة، فسيكون المستثمرون العالميون قادرين على تنويع ممتلكاتهم بالدولار، ما يجعلهم أقل اعتمادا على الولايات المتحدة، ويقللون من امتيازها المفرط.
مع ذلك، لم يُظهر الاتحاد الأوروبي حتى الآن أي علامة على اهتمامه بفعل بما يلزم لرفع دوره العالمي، مفضلا إلقاء اللوم على ترمب. لكن المدى المطلق للامتياز الأمريكي ليس من فعله، بل هو خطيئة الإهمال الأوروبي.
عندما أنشأ الاتحاد الأوروبي عملة اليورو في التسعينيات، كان بإمكانه اختيار تزويد العملة المشتركة بهيكل أساسي للمشاركة على الأقل جزئيا في الامتياز الذي يتمتع به الدولار. لكن ذلك لم يكن أولوية للقادة في ذلك الوقت. كانت المهمة هي إنجاز الأمر، دون أي تفكير في أزمات مستقبلية.
وبدلا من البحث عن دور دولي قوي، أعطى الاتحاد الأوروبي الأولوية لاستقرار الأسعار وتعزيز الأوضاع المالية، دون النظر في النتائج الأوسع لمثل هذا النطاق الضيق من الأهداف. نتيجة مباشرة لتلك الخيارات، نربط الآن كلمة "يورو" بـ "أزمة" بدلا من "نجاح".
هناك مشكلة إضافية تتمثل في الفائض التجاري الكبير والمستمر للاتحاد الأوروبي مع بقية العالم. إن الاعتماد على الآخرين لشراء فوائض تصديرك واستثمار مدخراتك الفائضة يجعلك أكثر عرضة للخطر في أي صراع.
إذن، ماذا سيفعل شومان في هذه الحالة؟ أُفضل أن أتخيل أنه لن يركز كثيرا على من سيكون الرئيس المقبل للمفوضية الأوروبية. الأرجح أنه سيدرك أن الاتحاد الأوروبي لديه مشكلة، وأنه يحتاج إلى إظهار كل من الشجاعة والإبداع لمعالجتها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES