البطاريات والطاقة المتجددة

|


إن السعي لإنقاذ العالم من خلال الاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 100 في المائة، قد يكون هو الآخر- مع الأسف الشديد- مدمرا للبيئة؛ ذلك أن التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة يعني زيادة الحاجة إلى بطاريات لتشغيل السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة المستمدة من الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، ولكن هذه البطاريات يتم تصنيعها من مواد غير مستدامة ومستخرجة بطرق غير أخلاقية. وبحسب تقرير حديث صادر عن جامعة التقنية في سيدني، فإن الزيادة في إنتاج البطاريات سترفع الطلب على المعادن أربعة أضعاف المتاح منها في المناجم الموجودة حاليا.
ولكن ما المعادن اللازمة لتصنيع البطاريات؟ يلزم لصناعة الهواتف والألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات المستخدمة لتخزين الطاقة مجموعة متنوعة من المعادن. وإضافة إلى الليثيوم تحتاج البطاريات إلى معادن الكوبالت والمنجنيز والنيكل. أما الألواح الشمسية فهي تصنع من التيلوريوم والغاليوم والفضة والإنديوم. وتحتاج بعض أجهزة الطاقة المتجددة الأخرى أيضا إلى النحاس والألمنيوم. والمعادن التي نتناولها فيما يلي تكتنفها مشكلات خاصة وتتميز بارتفاع الطلب عليها.
أولا الكوبالت الذي تأتي نسبة 60 في المائة من إجمالي المستخرج منه في العالم من جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تسبب عملية تعدينه التلوث واسع النطاق بالمعادن الثقيلة في الهواء والماء والتربة. علاوة على ذلك تم توثيق انتهاكات ضخمة لحقوق الإنسان في صناعة الكوبالت، بما في ذلك توظيف الأطفال وإجبار العمال على العمل في ظروف بالغة الخطورة.
وبعد استخراج الكوبالت في المناطق الريفية في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينتقل المعدن الخام إلى العاصمة لمعالجته، ثم يتم نقله عادة إلى الصين، حيث يتم تكرير 40 في المائة من جميع الكوبالت في العالم. بعد ذلك تبيع الشركات الصينية الكوبالت المكرر إلى أماكن مثل فيتنام، حيث يتم إنتاج البطاريات ثم بيعها في جميع أنحاء العالم. وإضافة إلى الآثار الفظيعة في مواقع التعدين، تترك الصناعة بأكملها بصمة كربونية هائلة.
ويبذل المبتكرون قصارى جهدهم لتصميم بطارية خالية من الكوبالت، حتى إن إيلون ماسك صرح بأنه يلتزم باكتشاف طريقة جديدة لإنتاج البطاريات؛ أملا في إبعاد شركة تسلا عن مشكلات البيئة وحقوق الإنسان المرتبطة بصناعة الكوبالت، ولكن التوصل إلى تقنية بطاريات كهذه ليس أمرا محتملا في المستقبل القريب، وستؤدي زيادة الطلب على الطاقة المتجددة إلى ارتفاع كبير في الحاجة إلى الاعتماد على سوق الكوبالت الحالي، وسيكون ذلك على حساب الطبيعة وآلاف الأرواح.
ثانيا الليثيوم الذي يتم استخراج النسبة الكبرى منه من دول أمريكا الجنوبية مثل بوليفيا وشيلي والأرجنتين. وتلوث مناجم الليثيوم احتياطيات مياه الشرب، وتسبب صراعات مع المجتمعات المحلية، حيث رفع قادة 33 مجموعة من مجموعات السكان الأصليين دعاوى قضائية ضد مشغلي المناجم بسبب التأثير في حقهم في الحصول على المياه النظيفة. ولكن هذه الدعاوى تحارب صناعة قوية توفر البطاريات اللازمة لتشغيل كل شيء من أجهزة التحكم عن بعد الخاصة بالتليفزيون إلى الهواتف المحمولة المحبوبة.
ثالثا النحاس، حيث توجد الآن تقنية جديدة تعد بتطبيق استراتيجية أكثر ملاءمة للبيئة عند استخراج النحاس من الأرض. وتتضمن هذه التقنية حقن محلول حمضي في باطن الأرض مع عدم التأثير في السطح نسبيا. ولكن هذه التقنية قد لا تزال ملوثة لباطن الأرض وللمياه الجوفية.
وفي ألاسكا تقاتل مجموعة من السكان الأصليين لوقف جهود إنشاء منجم للنحاس يقترح أن يقام في موقع أكثر مصائد أسماك السلمون الأحمر إنتاجية في العالم. وعلى الرغم من أهمية هذا النظام البيئي إلا أن زعماء السكان الأصليين يخوضون معركة شرسة ضد الشركات القوية والطلب المتزايد على النحاس والاحتياطيات المحدودة منه.
وعلى الرغم من التأثير السلبي للمواد المستخدمة في تصنيع هذه البطاريات لا يزال الخبراء يؤكدون أن التحول إلى الطاقة المتجددة هو أمر يستحق كل هذا العناء. وصرح أستاذ الطاقة تشارلز بارنهارت من جامعة ويسترن واشنطن لوسائل الإعلام قائلا: "أريد أن أوضح أننا عندما نتحدث عن الآثار البيئية فإننا لا نحاول أن نختار بين "أخف الضررين"، حيث إن الإرث المدمر للوقود الأحفوري لا يضاهى. ومن ثم فإن الحل هو التحول إلى البطاريات الخضراء.

إنشرها