ثقافة وفنون

صناعة الترف .. اللهث المستمر وراء الجديد

تكاد الكتابات حول موضوع الترف تكون شبه منعدمة، سوى من إشارات متناثرة في فصول أو مباحث بعض الكتب، ويبقى الانشغال الأكبر بالرفاه من جانب خبراء ورجال الاقتصاد لدى مناقشة "دولة الرفاه"، ما أدى في المحصلة إلى تأسيس علم الرفاهية؛ أو "اليوثينيا" Euthenics، الذي يعني بتعزيز الرفاهية البشرية عن طريق تحسين الأحوال المعيشية.
لكن الترف كفكرة للتأمل وكإشكال للطرح وكموضوع للبحث، أعرق بكثير مما قد يتصور كثيرون. عراقة رافقتها التباسات، وأحيانا معلومات خاطئة، حول تاريخ ونشأة هذا المفهوم، وكذا ما مر به من تطور وتحول في مساره الممتد عبر التاريخ، حتى استقر على الحالة التي نشاهدها في عصرنا الراهن.
تجمع الكتابات حول الموضوع، رغم قلتها، على أن الترف لم يبدأ مع بداية صناعة الأشياء الغالية والثمينة، لأنه في الأصل مرتبط بفكرة الإنفاق. بهذا تكون ظاهرة الترف قديمة قدم النشاط الإنساني على وجه البسيطة، فمتى وجدت عملية الإنفاق فهناك احتمال أن يكون الترف حاضرا فيها. فالترف كما قال أحدهم "هو الحلم الذي يزين ديكور الحياة".
تصير على هذا الأساس الفكرة الشائعة حول اقتصاد العوز غير صحيحة تماما أو على الأقل محل شك. فالإنسانية إذن؛ بحسب الأنثروبولوجي الأمريكي مارشال ساهلين، في كتابه "العصر الحجري عصر الوفرة"، لم تنتقل من الحرمان التام للجميع إلى الغنى الساحق للبعض، فالسخاء والتبذير ظاهرتان موجودتان كونيا في حياة المجتمعات الإنسانية.
ما يعني أن الترف قبل أن يكون علامة على الحضارة المادية، كان ظاهرة ثقافية، وحالة نفسية يمكن اعتبارها شيئا يميز الإنسان الاجتماعي. ما دفع الكاتب والسياسي الروماني شيشرون إلى القول بأن: "الشعب الروماني يكره الترف الخاص، ويحب أن تكون العظمة عامة".
يكتشف متتبع الترف عبر التاريخ أنه البدايات الأولى للترف؛ أو الترف العصري كما نعرفه اليوم، وكانت في القارة الأوروبية أوائل القرن الـ14، وجاءت في صورتين تحولتا عبر الزمن إلى عماد صناعة الترف في العالم المعاصر، إحداهما الاهتمام بالآثار القديمة، والأخرى الموضة والسعي الدائم للابتكار.
بهذا يكون الجمع بين النقيضين أساس فلسفة الترف، فهي تنبش في الماضي بغرض استخراج أفذاذه، وتحصيل نوادره، قصد بعثها من جديد في أفق تثمينها، وفق قواعد النوعية والأصالة والعراقة التي تفرضها السوق. وتحرص على ضبط الحاضر على إيقاع التجديد الدائم، بفرض متوالية غير منتهية في سلسلة الموضة؛ أساسها التغيير وفق الفصول والمواسم والمناسبات، حتى أضحت الموضة غاية لذاتها، فمجرد طرح الجديد صار مناسبة، ما يعني بالضرورة وجوب الاقتناء.
لم تتداخل مكونات عالم الترف دفعة واحدة، فوفق الترتيب الزمني كانت البداية مع الموضة في القرن الـ14، حيث انتشرت فكرة إضفاء الجمال على الملبس التي تجسد مظهرا من مظاهر الاهتمام بتميز الفرد. ورأت مسألة إخراج التحف الفنية، تماثيل، ميداليات، قطع نقدية، مزهريات وغيرها والعناية بها، النور في إيطاليا، قبل أن تنتشر في بقية أوروبا أواخر القرن الـ16، بعدما تحولت إلى تجارة رائعة يتزايد أصحابها. يعتقد جيل ليبوفتكسي وإلييت رو في كتابهما الترف الأبدي le luxe éternel أن الحداثة أدخلت الجميع إلى "عصر ترف جديد"، تولى إلغاء ما كان يمليه العصر القديم. فحتى منتصف القرن الـ19، كان عالم الترف يعمل وفق نموذج "الأرستقراطي والحرفي"، وفيه يبقى معظم الحرفيين غير معروفين، لا اعتبار لهم؛ فالزبون سيد والحرفي يعمل في الظل.
تغير كل شيء مع مجيء الحداثة، بعدما أرسى شارل فريديرك وورث أسس صناعة فخمة خاصة بتكوين نماذج تتغير باستمرار، فالتصاميم لا تخضع لأي طلب معين. بذلك يصبح المصمم حرا ومستقلا، بعيدا عن العمل تحت الأوامر. أكثر من هذا، صار هو من يفرض موديلاته وأذواقه على الزبائن بعد أن تحولوا إلى مجرد مستهلكين.
أقدمت الحداثة بالموازاة مع ذلك على عملية تأنيث للترف ضد تيار تفوق الذكر التقليدي طيلة القرون السابقة. لذا يظهر الترف في مجتمعاتنا اليوم كمجال أكثر توافقا مع المؤنث منه مع المذكر، بمعنى أكثر ارتباطا بعالم الأذواق الأنثوية منه بعالم أذواق الرجال.
واستمر ضغط الحداثة على عالم الترف حتى حولته إلى صناعة مكتملة الأركان، فعلى سبيل المثال إلى حدود أواخر القرن الماضي، كانت أغلب الماركات العالمية في مجال العطور تحبذ الحفاظ على الصفة الكلاسيكية. فتعمد إلى إطلاق عطر جديد بعد مضي خمس سنوات على الأقل. عُرْف سقط من تعاملات هذه الشركات الآن، بعدما هيمن منطق السوق بقواعده واللهث الدائم بلا توقف وراء الجديد.
تم الاعتراف في نهاية الثمانينيات بالترف كقطاع اقتصادي وصناعي قائم بذاته، ما يعني بالتبعية إخضاعه لمنطق السوق. وهذا ما تحقق عمليا بنهاية القرن الماضي حيث قوم الخبراء حجم هذه السوق بنحو 85 مليار. يكتشف المتأمل في عالم الترف بإغراءاته الجمة التي يلهث الجميع وراءها باستمرار، أن الترف في النهاية ليس سوى مزيج بين التقليد والموضة، إعادة هيكلة لزمن التقليد بواسطة ذاك الخاص بالموضة، إعادة ابتكار للماضي، وإعادة تأويله بواسطة منطق موضة الحاضر.
يتضح الأمر أكثر حين نتأمل في إدارة قطاع الترف، فهي لا تختزل في الترويج للمنتجات النادرة والغالية بقدر ما تستند إلى تنسيق عامل الزمن. إن الزمن القصير – زمن الموضة - هو المطلوب، ولكن من ناحية أخرى، ضروري أن نعطي بعض الوقت للزمن، أن نخلد ذاكرة، أن نبتكر هالة من الأبدية، صورة من الخلود للماركة. باختصار إننا أمام استراتيجية رسملة الزمن وترسيبه.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون