المعايير وفوائدها .. وتقنيات الاتصالات والمعلومات

|

تحدثنا في المقال السابق عن "اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات" الذي يقيمه "الاتحاد الدولي للاتصالات ITU" سنويا يوم "17 مايو"، منذ عام 1969. وذكرنا أن الاحتفال السنوي بهذا اليوم يتضمن طرح "قضية معلوماتية" تهم العالم بأسره، ينبغي الاهتمام بها، وذلك من خلال شعار يتبناه هذا الاحتفال. وقد كانت قضية هذا العام هي "معايير تقنيات الاتصالات والمعلومات" والحاجة إلى "إغلاق الفجوة" القائمة بين وجود المعايير ومدى تطبيقها على أرض الواقع. وسنطرح في هذا المقال موضوع المعايير بصفة عامة من جهة، وموضوعها في مجال "تقنيات الاتصالات والمعلومات" من جهة أخرى. والأمل أن يوضح ذلك فوائدها، والحاجة إلى الاهتمام بها والاستفادة منها.
لعلنا نبدأ بتعريف "المعايير Standards" على أساس ما أوردته منظمة المعايير الدولية ISO" في هذا الشأن. فالمعايير في موضوع معين تعطى في "وثيقة تطرح مجموعة من القواعد والصفات التي ترتبط بالعمل على تقديم أو إدارة معطيات تشمل: موادا، أو منتجات، أو خدمات، أو تقنيات، أو إجراءات عمل، أو أنظمة مختلفة، أو أي معطيات أخرى". وتصدر مثل هذه الوثائق عن منظمات دولية أو هيئات وطنية أو معاهد مهنية، أو هيئات صناعية تبعا لتخصصاتها ومجالات عملها؛ وتأتي حصيلة جهود متخصصين على أعلى المستويات. وعلى ذلك فإن قيمة المعايير تتمثل أولا في الجانب "المعرفي" المتميز الذي تحمله؛ ثم تتمثل ثانيا في جانب التطبيق "العملي". فإن لم تطبق عمليا فقدت قيمتها في التأثير في حياة الناس، وبقيت فقط أسيرة في عقول بعض المتخصصين.
ولعل بين أبرز معايير الأنظمة التقنية المطبقة على نطاق واسع، والمؤثرة في حياة الناس، معايير جهد التغذية الكهربائية التي تنقسم على مستوى العالم بأسره، إلى قسمين رئيسين: "110 فولت"؛ و"220 فولت". ولكل منهما خصائص ترتبط به تشمل صفات الأسلاك اللازمة للأجهزة المختلفة تبعا لمستوى الطاقة الذي تحتاج إليه؛ وأساليب الحماية من أخطار الكهرباء التي يجب الالتزام بها، وغير ذلك. وفي مجال الأنظمة الإدارية، هناك بين أبرز المعايير تلك الصادرة في "الوثيقة: ISO 9001" التي تضع قواعد وصفات عامة "للجودة الإدارية" يمكن تطبيقها على مختلف المؤسسات.
في مجال تقنيات الاتصالات والمعلومات هناك معايير عديدة، تصدر عن منظمات مختلفة. فمعايير المعطيات المرتبطة بأنظمة الاتصالات السلكية واللاسلكية تصدر عن "الاتحاد الدولي للاتصالات ITU"؛ ومعايير التوصيلات والكابلات وما يرتبط بها تصدر عن الهيئة الدولية للتقنية الكهربائية IEC، ومعايير الأنظمة المعلوماتية تصدر عن منظمة المعايير الدولية ISO. وهناك أيضا معايير أخرى لهذه التقنيات تصدر عن هيئات وطنية، مثل المعهد الوطني الأمريكي للمعايير ANSI؛ ومعايير تصدر عن هيئات مهنية مثل معهد المهندسين الكهربائيين والإلكترونيين IEEE؛ ثم معايير تصدر عن هيئات صناعية، مثل الاتحاد الأمريكي للصناعات الإلكترونية EIA.
تنطلق أهمية "المعايير" والحاجة إلى الالتزام بها وتطبيقها، من الفوائد المتعددة التي تقدمها عند استخدامها وانتشارها على نطاق واسع. وسنقسم هذه الفوائد هنا إلى قسمين رئيسين: قسم يرتبط بالمستخدم؛ وآخر يتعلق بمقدم المنتج الذي يلتزم بالمعايير المطلوبة. فالمنتج الملتزم يتمتع بمستوى مناسب من "الوثوقية" Reliability، بمعنى الجودة ومقاومة الأعطال؛ ومستوى مناسب أيضا من "الأمان Safety"، بمعنى حماية المستخدم. ويضاف إلى ذلك أن المنتج يكون قابلا للتوصيل مع منتجات أخرى مكملة وظيفيا له، على أن تلتزم هذه المنتجات بذات المعايير أيضا، حتى لو كان مصدرها جهة منتجة أخرى. وتعرف هذه الفائدة بتوفير إمكانية تكامل العمل بين المنتجات المتكاملة، أو ما يدعى "العمل البيني" Interoperability الجامع بين هذه المنتجات.
وننتقل إلى الفوائد المرتبطة بمقدم المنتج. في هذا الإطار، تجب الإشارة إلى أن كون المعايير مشاعة بين جميع المنتجين، يؤدي إلى إمكان تقديم منتجات "متوافقة" Compatible في المواصفات من قبل منتجين مختلفين. ويسمح ذلك بتوسيع دائرة المنتجين، حيث "يمنع احتكار No Monopoly" الإنتاج لمنتج محدد من قبل منتج واحد. ويؤدي ذلك إلى منافسة إيجابية تشجع المنتجين على الابتكار في الإنتاج وتعزيز الصفات المعيارية في المنتج، وربما الارتقاء بها دون مخالفتها، ما يعود على المستخدم بالفائدة أيضا. ويضاف إلى ذلك أن الاستخدام الواسع النطاق للمنتجات التي تتبع المعايير، يسمح للمنتجين بإنتاج كميات كبيرة، ما يحد من تكاليف الإنتاج، ويحقق توفيرا اقتصاديا يتبع حجم الإنتاج Economy of Scale، يستفيد منه المنتج الذي يستطيع تخفيض التكاليف وزيادة الأرباح. وقد يؤدي ذلك إلى تخفيض سعر المنتج، لما فيه صالح المستخدم أيضا.
إن وجود معايير عالمية لتقنيات الاتصالات والمعلومات، يقوم الجميع بتطبيقها، أمر حميد يحتاج إليه العالم السيبراني من أجل تكامل نشاطاته، وتفعيل وثوقيته، وتعزيز أمانه. فمعايير هذه التقنيات ليست تقنية فقط تهتم بمواصفات المنتجات التقنية، كمواصفات أجهزة الجوال وشبكاته على سبيل المثال لا الحصر، بل إن لها أيضا معايير تختص بحوكمتها للاستفادة منها على أفضل وجه ممكن، ومعايير تهتم بالمحافظة على أمنها أيضا. وفي مجال الأمن السيبراني، أوصى الاتحاد الدولي للاتصالات بالاهتمام بستة محاور رئيسة. وتتضمن هذه المحاور، محورا يختص بالجانب القانوني، الجانب التقني، الجانب التنظيمي، إعداد الكوادر؛ إضافة إلى محور يختص بالتعاون محليا ودوليا.
لا شك أن المعايير، في أي مجال من المجالات، تقدم للإنسان قيمة. ولهذه القيمة تأثير خاص في مجال تقنيات الاتصالات والمعلومات بسبب توسع استخدامها، وحجم تأثيرها في حياة الإنسان أينما كان، حيث باتت جزءا مهما من الحياة اليومية لكل فرد. ولأن معايير هذه التقنيات ليست تقنية فقط، نظرا لتفاعلها مع الإنسان ومتطلباته، وتأثرها بالتحديات أمامه، لذا يجب نشر المعرفة بشأنها على نطاق واسع من أجل أن يكون للجميع دور في تطبيقها والاستفادة منها. ويمكن النظر إلى هذه المعرفة على أنها مختلفة المستويات تراوح بين مستوى المستخدم العادي ومستوى المتخصص. ولعل مسؤولية نشر مثل هذه المعرفة تقع شراكة على مؤسسات التحول الرقمي من جهة، وعلى مؤسسات التعليم والتدريب من جهة أخرى.

إنشرها