FINANCIAL TIMES

قننوا تكنولوجيا التعرف على الوجه قبل فوات الأوان

في كتابه عن التاريخ الكلاسيكي لبريطانيا، كتب أي. جي. بي. تايلور: "حتى آب (أغسطس) 1914، كان من الممكن للرجل الإنجليزي المحترم، الملتزم بالقانون، أن يعيش حياته وبالكاد يلاحظ وجود الدولة، باستثناء مكتب البريد والشرطي".
كم تغير ذلك على مدى القرن التالي. هذا الشهر فرضت الشرطة في بريطانيا غرامة على رجل بسبب تغطيته وجهه في محاولة لتلافي نظام مراقبة يستخدم تكنولوجيا التعرف على الوجه ـ التقط صورته على أي حال. مثلما جاء في كتاب تايلور، الحربان العالميتان وسعتا دور الدولة في كل شق من الحياة الوطنية تقريبا - وتحولت أكثر فأكثر إلى طابع تطفلي منذ ذلك الحين. حتى أنها، في الوقت الحاضر، تحاكم المشاة بشكل عشوائي بسبب عرقلة محاولات مراقبتهم أثناء توجههم إلى أعمالهم المشروعة. إنه مثال ينذر بالخطر الناشئ عن حجم التآكل الذي شهدته الحريات المدنية لدينا والسرعة التي حدث بها ذلك.
بالنسبة إلى كثيرين، الكفاح من أجل الحفاظ على خصوصيتنا في عصر الهواتف الذكية وأنظمة الدوائر التلفزيونية المغلقة أمر لا طائل منه، مثل المحتج الوحيد الذي تحدى الدبابات بالقرب من ميدان تيانانمن عام 1989. التوسع الذي لا يرحم في تكنولوجيا المراقبة، المستخدمة على نطاق واسع في مكافحة الإرهاب والجريمة الخطرة، سيطغى على أي آمال تراودنا بشأن البقاء مجهولين. مستقبلنا يجري بناؤه فعليا في الصين، حيث تكنولوجيا التعرف على الوجه منتشرة في كل مكان ولا يمكن إيقافها.
لكن حتى لو أثبتت المقاومة في نهاية المطاف أنها عديمة الجدوى، لا يزال من المهم القتال ضد التوظيف العشوائي لأنظمة التعرف التلقائي على الوجه AFR. يجب أن نشعر جميعنا بالقلق حيال كيفية استخدام هذه التكنولوجيا لضبط المجتمع، وما زلنا نملك القدرة على تشكيل الإطار القانوني للنطاق الذي ينبغي أن تعمل فيه هذه الأنظمة.
من الجدير بالثناء أن بعض الناشطين والسياسيين يناضلون لتحقيق ذلك تحديدا. هذا الشهر أصبحت سان فرانسيسكو، موطن كثير من كبار رواد التكنولوجيا في العالم، أول مدينة في الولايات المتحدة تحظر الاستخدام الرسمي لتكنولوجيا التعرف على الوجه، على الرغم من أن أمن الموانئ والمطارات معفيان لأنهما يداران من جهة الوكالات الفيدرالية. هذا في الحقيقة متعلق بالقول: "يمكننا الحصول على الأمن دون أن نكون دولة أمنية. يمكننا أن نحافظ على الانضباط دون أن نكون دولة بوليسية. وجزء من ذلك هو بناء الثقة مع المجتمع"، حسبما قال آرون بيسكين، المشرف على المدينة.
في المملكة المتحدة قدم موظف يدعى إد بريدجز الأسبوع الماضي طعنا قانونيا ضد شرطة جنوب ويلز، التي التقطت صورته أثناء تسوقه لعيد الميلاد في وسط مدينة كارديف عام 2017. بريدجز الذي جادل بأن هذا كان غزوا أساسيا لخصوصيته، ينتظر الآن النتيجة.
ثمة حجتان رئيستان ضد استخدام نظام التعرف التلقائي على الوجه: الأولى من حيث المبدأ، والأخرى من الناحية العملية.
أولا، يقول نشطاء الحقوق المدنية إن تكنولوجيا التعرف على الوجه أدخلت حيز الاستخدام خلسة دون مناقشة عامة كافية. يوجد الآن نحو 50 وكالة في الولايات المتحدة تستخدم برامج التعرف على الوجه، غالبا بطرق غير منظمة تماما، مع وجود 117 مليون أمريكي في قواعد بيانات مختلفة. في بريطانيا تقول "ليبرتي"، مجموعة الحقوق المدنية التي تدعم طعن بريدجز، إن استخدام تكنولوجيا التعرف التلقائي على الوجه يشبه الاستيلاء على بصمات الأصابع أو عينات الحمض النووي دون موافقة المواطن.
رد الشرطة هو أن تكنولوجيا التعرف التلقائي على الوجه تعد سلاحا رخيصا وفعالا في مكافحة الجريمة ولا تستخدم إلا في ظل قيود قانون حماية البيانات. لكن توني بورتر، مفوض كاميرات المراقبة، دعا شخصيا إلى وضع أساس تنظيمي أوضح لاستخدام هذه التكنولوجيا. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية "إنه أمر معقد ومربك ويصعب على العامة فهم هذه القضايا".
الاعتراض الآخر على تكنولوجيا التعرف التلقائي على الوجه أنها لا تعمل بشكل جيد للغاية وتخطئ في تعريف كثير من الناس. هي عرضة بشكل خاص للخطأ في تحديد الأقليات العرقية. مجموعة للحريات المدنية "بيج براذر ووتش" نشرت أخيرا أرقاما من شرطة جنوب ويلز تظهر أن أنظمتها تسببت في 2451 من الإنذارات الكاذبة من بين 2685 من "عمليات التطابق" التي أجرتها بين أيار (مايو) 2017 وآذار (مارس) 2018. كذلك أظهر باحثون أكاديميون أن بعض مستحضرات التجميل وخاصة النظارات المصممة بطريقة خاصة يمكن أن تخدع الأنظمة.
حتى بعض الشركات التي تعمل على تطوير تكنولوجيا التعرف على الوجه، مثل "مايكروسوفت"، حذرت من مخاطر سوء الاستخدام ودعت إلى ضوابط عالمية أكثر صرامة.
مثلما هو الحال في كثير من المجالات، من الخطر اتباع حلول تكنولوجية بحتة للتحديات البشرية. التكنولوجيا في حد ذاتها لا تستطيع حل أي شيء. كل شيء يعتمد على الاستخدام المناسب والمقبول، الذي يتطلب ثقة ضمنية بين السلطات والناس. إذا تسبب استخدام التكنولوجيا المحض في تآكل تلك الثقة، فلن يؤدي ذلك إلا إلى تفاقم المشكلات التي صممت لحلها.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES