FINANCIAL TIMES

الهيكل الطبقي للاقتصاد عائق يحد من حركة المجتمع

ربما لا يوجد أي موضوع مدفون في النفاق والإرباك أكثر من تحرك أفراد المجتمع بين طبقاته. نتظاهر أننا نؤيد ذلك، لكن قليلا من آباء الطبقة الوسطى يؤيدون التحرك الاجتماعي لأبنائهم نحو الطبقات الأدنى. نعتقد أيضا أن تغيير الخصائص الفردية، بشكل أساسي من خلال التعليم، سيزيد من التحرك الاجتماعي. لكن هذا غير صحيح إلى حد كبير. نحن بحاجة إلى أن نكون أكثر صدقا.
الصورة الواسعة للميزة الطبقية الموروثة واضحة بما فيه الكفاية. أحدث تقرير للجنة التحرك الاجتماعي في المملكة المتحدة يذكر أن "أولئك القادمين من البيئات الأفضل حالا من المرجح أن يكونوا في وظائف مهنية بنسبة 80 في المائة تقريبا، مقارنة بأقرانهم من الطبقة العاملة". علاوة على ذلك، يضيف التقرير "نتيجة لهذه الفجوة في إمكانية الحصول على الوظائف المهنية، يكسب الأشخاص من بيئات الطبقة العاملة أقل بنسبة 24 في المائة في السنة من أولئك الذين ينتمون إلى بيئات مهنية". حتى الآن هذا الأمر مألوف جدا.
ويتناول التقرير بإيجاز النقطة المحورية المتمثلة في أن "التحرك الاجتماعي النزولي يعد مكونا رئيسا لمجتمع متحرك اجتماعيا". هذا أمر صحيح. إذا لم يتغير الهيكل الطبقي للاقتصاد، فإن فرصة أن يعيش شخص ينتمي للطبقة العاملة تجربة الارتقاء الاجتماعي يمكن أن تزداد فقط إذا كانت هناك زيادة مماثلة في "الفرص النسبية لأن ينتقل شخص من بيئة مهنية إلى طبقة أدنى".
هذا هو المجال الذي يأتي فيه النفاق. العقبة الرئيسة أمام التحرك الاجتماعي هي الأسرة. لا ينفق الناس كثيرا من وقتهم ومواردهم على أبنائهم كي يروهم يفشلون. أولئك الذين لديهم الموارد المادية والاجتماعية والفكرية لمنع مثل هذا الفشل سيستخدمونها. أيضا، لا يتعين عليهم أن يبذلوا جهدا كبيرا لأجل ذلك: فهذه الموارد تفيد أبناءهم منذ الولادة.
بالنظر إلى ذلك، ما الذي يحدد معدل التحرك الاجتماعي؟ للحصول على صورة أوضح لهذا الأمر، يحتاج المرء إلى الانتقال من حالات الولاء للأسرة أو الطبقة، الواردة في "تقرير التحرك الاجتماعي" إلى محاضرة رائعة بعنوان "حركة الطبقة الاجتماعية في بريطانيا الحديثة"، ألقاها في عام 2016 جون جولدثورب، عميد علماء هذا الموضوع. ما يسميه جولدثورب "نظام التحرك الأساسي" لم يتغير بشكل لافت للنظر. لكن السياق أصبح أكثر سلبية. علاوة على ذلك، يضيف "إن تأثير التوسع والإصلاح التعليمي في عمليات ونتائج التحرك الاجتماعي كان في الواقع محدودا للغاية".
يركز عمل جولدثورب على الطبقة، وليس الدخل، لأن الطبقة تحدد الدخل على مدى الحياة. وبشكل أساسي يميز بين التحرك الاجتماعي النسبي والمطلق. يشير الأول إلى ما يمكن أن يحدث إذا بقي هيكل الطبقة دون تغيير. أما الثاني فيشير إلى التغييرات الفعلية في المراكز الطبقية.
قفزت نسبة العاملين الإداريين والمهنيين الذكور بأجر في اقتصاد المملكة المتحدة من 11 في المائة عام 1951 إلى 25 في المائة عام 1971 وإلى 35 في المائة عام 1991 و40 في المائة عام 2011. وتم فتح مجال أوسع في الأعلى، وإن كان ذلك بمعدل متباطئ. هذا التغيير في هيكل الوظائف أدى تلقائيا إلى ارتفاع معدل الارتقاء الاجتماعي وانخفاض معدل التحرك الاجتماعي النزولي في المجموعات التي ولدت قبل عام 1947. وقدم الاقتصاد مزيدا من الارتقاء الاجتماعي الذي يريده الجميع، مع قليل من التحرك الاجتماعي النزولي الذي يخافه الآباء من الطبقة العليا.
ليس للتعليم علاقة كبيرة بهذا الأمر. حصل أشخاص على ترقية، على الرغم من أن لديهم مؤهلات ورقية قليلة، تماما كما يعمل كثير من خريجي اليوم في وظائف لم تكن تتطلب شهادات. لم يكن المجتمع آنذاك أكثر انفتاحا، وكان الاقتصاد أكثر فائدة.
ننتقل الآن إلى الأجيال المولودة بين 1940 وأوائل الثمانينيات. في هذه المجموعات تقاربت معدلات الارتقاء الاجتماعي والتحرك الاجتماعي النزولي. وهذا جزئيا لأن توسع الفرص الجديدة في الأعلى قد تباطأ، وأيضا لأن نسبة أكبر من الناس ولدوا حتما في الطبقات المهنية، ونسبة أصغر في الطبقات العاملة. ونظرا للتوصل إلى التحرك النسبي المستمر بمرور الوقت، كانت النتيجة زيادة في التحرك الاجتماعي النزولي المطلق وهبوط في الارتقاء الاجتماعي المطلق. وهذا يجعل المجتمع غير سعيد.
إذن، العامل الرئيس المحدد للتحرك بين طبقات المجتمع هو الهيكل الطبقي للاقتصاد ومعدل تغيره. إذا هدم الذكاء الاصطناعي، كما يتكهن بعضهم، كثيرا من الوظائف المهنية، فإن التحرك الاجتماعي النزولي سيفوق الارتقاء الاجتماعي. والعواقب السياسية ستكون مدمرة.
التعليم له تأثيرات من المستوى الثاني فقط في التحرك الاجتماعي. فهو يؤثر في هيكل الاقتصاد لكنه لا يحدده، ولهذا السبب بطالة الخريجين شائعة للغاية في جميع أنحاء العالم. إنه، في الواقع، أكثر من مجرد منفعة محدودة الأثر، التعليم النسبي مهم. في حين أن بعضهم من بيئات الطبقة العاملة سيحصلون على مزيد من هذا المنفعة، فإن الآباء المهنيين سيساعدون دائما أولادهم على التفوق عليهم.
باختصار، إذا كنا مهتمين حقا بالتحرك الاجتماعي، يجب أن نركز اهتمامنا على الاقتصاد.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES