إيران والمخلص المنتظر

|


ذكرت في المقال السابق "إيران واللعب على الهاوية" أن الوضع الاقتصادي الحقيقي الذي تئن تحت وطأته إيران بعيدا عن التصريحات العنترية لنظامها والرسائل الحماسية والتجييش وضعها في مأزق كبير لا يطاق، فلم تعد سياسة الهروب إلى الأمام سياسة مجدية، ولم يعد اللعب على الهاوية خيارا آمنا، فقد رسمت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة خطين واضحين للنظام الإيراني الذي يجيد اللعب بين هذين الخطين. النظام الإيراني وجد نفسه بين خيارين أحلاهما مر - من وجهة نظر إيرانية - إما تجاوز الخط الذي أمامه بتهور، الذي يعني الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وإما تجاوز الخط الذي خلفها بعقلانية وحكمة وذلك بانصياعها التام للعقوبات وفتح صفحة جديدة بموافقتها على الشروط الأمريكية كاملة وأن تصبح دولة مسالمة تتخلى عن أيديولوجيتها المبنية على الإرهاب وتصديره ونشر الخراب في كل بقعة تصل إليها.
المعطيات على أرض الواقع تدفعني إلى الاعتقاد أن النظام الإيراني يعي تماما أن الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن وحلفائها في المنطقة وتهديد الإمدادات النفطية وأمن الطاقة العالمي يعد المسمار الأخير في نعشه وبالتالي زواله، لذلك أرى أن النظام الإيراني لن يجرؤ على هكذا خطوة انتحارية. في المقابل هل سيحكم النظام الإيراني عقله بتجاوز الخط الذي خلفه ويعود إلى صوابه بأن يصبح نظاما مسالما ينفض يديه من الإرهاب وأهله ويتفرغ لتنمية وطنه وبناء الإنسان الإيراني والالتفات له وإلى احتياجاته؟ لا يعتريني شك أبدا أن جميع العقلاء يتمنون أن تعود إيران إلى رشدها وتحكم عقلها بكف شرورها عن العالم بأسره، لكني أرى أن نظاما مثل هذا وبهكذا سلوك لن يحقق ذلك، فهذا الخيار غير مقبول لدى نظام جبل على الإرهاب وروح دستوره "تصدير الثورة"، وكم أتمنى أن يكون رأيي خاطئا.
إيران تسعى جاهدة إلى البقاء في المنطقة التي تجيد المراوغة فيها بين الخطين، بلا مواجهة مباشرة ودون التبرؤ من الإرهاب وتصديره. لكن هل ستصمد إيران لتبقى في هذه المنطقة؟ وإلى متى ستصمد؟ لعل النظام الإيراني يراهن على الوقت معلقا آماله بالانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة نهاية هذا العام، ويرجو عدم تمديد الفترة الرئاسية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وأن يأتي رئيس جديد يقبل بالمفاوضات ويفك الخناق عنهم ولو قليلا حتى يتنفسوا الصعداء. سيكون هذا الرئيس بمنزلة "المخلص" لهم من وطأة هذه العقوبات الصارمة والظالمة من وجهة نظرهم. في أيار (مايو) الجاري هبطت الصادرات النفطية الإيرانية إلى قرابة 500 ألف برميل يوميا وهو بلا شك هبوط مظلي وضربة قاصمة للاقتصاد الإيراني حيث بلغت صادرات النفط الإيرانية قرابة 2.8 مليون برميل يوميا في مايو من عام 2018 أي بنسبة انخفاض تقارب 82 في المائة خلال عام. أرى أن رهان إيران على الوقت ضرب من الخيال وأنها غير قادرة على تحمل الوضع الاقتصادي الراهن إلى نهاية العام في حال افترضنا أنه لن يتم التمديد للرئيس ترمب، وعلى الرغم من الخبرة التي اكتسبها هذا النظام في المراوغة والالتفاف على العقوبات. وكما قيل: الأيام حبلى يلدن كل عجيب، ننتظر لنرى أي الخطين سيختار هذا النظام لتجاوزه!

إنشرها