الإنتاجية في رمضان

|


أجريت دراسة قبل عدة سنوات على الإنتاجية في شهر رمضان، وبنيت هذه الدراسة على ردود مسح أجري عبر الإنترنت بين المسلمين في عدد من الدول الإسلامية والدول التي توجد بها جاليات إسلامية كبيرة. وجاءت نتائج الدراسة قريبة من المشاهد على أرض الواقع. ولعل من أبرز نتائج هذه الدراسة ارتفاع نسبة المبدين التزامهم بالصوم - بين المسلمين الذين أجابوا على المسح - إلى نحو 98 في المائة من إجمالي العينة. وكانت النسبة شبه ثابتة بين المسلمين المقيمين في دول إسلامية أو خارجها، وهذا مؤشر على الاهتمام الكبير الذي يظهره المسلمون تجاه رمضان، كما قد يكون دليلا على أن صوم رمضان أكثر شعائر الإسلام التزاما بين المسلمين. وأبدى معظم المتجاوبين مع المسح نية الصائمين زيادة مستوى التعبد والإحسان في هذا الشهر الكريم، حيث عبرت نسبة كبيرة منهم عن استعدادها الكبير بالالتزام بالصلوات الخمس خلال الشهر الكريم، وقراءة القرآن بشكل يومي، وزيادة الصدقات والإحسان إلى الفقراء وأعمال الخير بوجه عام، بينما أظهرت نسبة أقل استعدادا لأداء بعض الفروض والتراويح في المساجد.
يعتقد ثلاثة أرباع المشاركين في المسح ضرورة الحفاظ على مستويات إنتاجية العمل المعتادة، ويرون أن العمل ينبغي ألا يتأثر بشهر رمضان. من جهة أخرى، يرى نحو سدس المستجيبين أن الأولوية في شهر رمضان للعبادة وليس للعمل، بينما تظن نسبة قليلة تقدر بنحو 3 في المائة أن لا أحد يعمل في شهر رمضان. يتصور نحو خمس الذين ردوا على المسح من الدول الإسلامية وغيرها، عدم تأثر إنتاجيتهم بالصوم، وهذا مؤشر على أن الأغلبية يشعرون بتراجع الإنتاجية في رمضان على الرغم من قبولهم بخطأ تأثر العمل بالصوم.
يحاول مشغلو العمالة في الدول الإسلامية، خصوصا الجهات الرسمية، مساعدة الصائمين والتخفيف من أعباء العمل خلال الشهر الكريم، وذلك من خلال تعديل أوقات العمل وخفض ساعاته، بينما يبدي المشغلون في الدول الأخرى استعدادا محدودا للتجاوب لمراعاة أحوال الصائمين. يظهر ثلثا الصائمين في الدول الإسلامية ارتياحا من تجاوب المشغلين مع أوضاعهم، بينما تشعر نسبة تقل عن النصف خارج الدول الإسلامية بالسعادة من تجاوب مشغليهم مع ظروف شهر رمضان.
ترى نسبة 72 في المائة من المجيبين على المسح - خصوصا في الدول غير الإسلامية - أن إنتاجية الشركات في رمضان لم تتأثر، وأن الأعمال تسير كالمعتاد. وتحاول الدول الإسلامية التجاوب مع ظروف الصائمين من خلال خفض ساعات العمل في رمضان وتغيير أوقاته. فهناك دول مثل ماليزيا وإندونيسيا، تخفض ساعات العمل في الدولة ساعة واحدة وينصرف الناس مبكرين من أعمالهم، فيما يترك التأقلم مع ظروف الصائمين في الإعمال الخاصة لتقديرات ملاك الأعمال. وتخفض الدول الخليجية ومصر وباكستان ساعات العمل ساعتين، وتلزم القطاعات الخاصة بخفض دوام العاملين ساعتين، وتقف هذه الدول في مصاف أكثر الدول مراعاة لأحوال الصائمين.
خفض ساعات العمل اليومية ساعتين، سيخفض الإنتاجية نظريا بنحو 25 في المائة في الدول الملتزمة بهذا الخفض، بينما ستتراجع هذه النسبة إلى النصف في الدول التي تخفضها ساعة واحدة، وإذا أضيفت إجازات الأعياد وشعور العاملين بالإرهاق والجوع والعطش، فإن الإنتاجية ستنخفض بنسبة أكبر، خصوصا في الأعمال التي تتطلب مجهودا بدنيا. ويتطلب الصوم والعبادة مجهودا وتغييرا في أوقات الراحة والنوم، ما يؤثر في باقي الأعمال، لهذا من الناحية النظرية لا بد من تراجع الناتج المحلي الشهري خلال رمضان بنسبة لا تقل عن 10 في المائة في الدول الإسلامية، وقد تصل إلى 20 في المائة في بعضها.
يسلم كثير من المختصين بتراجع الناتج المحلي في شهر رمضان، لكن لا توجد بيانات ميدانية شاملة تدعم مثل هذه الفرضية. ويتجنب كثير من المؤسسات، بما فيها الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إجراء دراسات حول رمضان لتحاشي إثارة أي حساسيات ثقافية أو دينية. وتشير المشاهدات على أرض الواقع إلى تراجع كبير في إنتاجية عاملي القطاعات العامة في بعض الدول الإسلامية خلال شهر رمضان، بينما تحاول القطاعات الخاصة الحفاظ على إنتاجيتها، بل يسعى عديد منها إلى زيادة أنشطته خلال الشهر الكريم، وتحقق على أرض الواقع زيادة في الربحية والإنتاج. عموما، يصعب تحديد الأثر الاقتصادي الكلي لشهر رمضان على اقتصادات الدول الإسلامية بشكل دقيق وجازم، حيث تتمتع كل دولة بخصائص وسياسات تختلف عن الدول الأخرى. صحيح أنه ينتاب كثيرا من الناس شعور بتراجع كبير في الإنتاجية، لكن لا يمكن الجزم بتأثير الشهر الكريم في الاقتصاد إلا من خلال جمع بيانات ميدانية دقيقة عن الأنشطة الاقتصادية تقوم بها مؤسسات الأبحاث المهنية والمتخصصة، المستقلة الرسمية وغير الرسمية، دون أي تحيز. أما خارج الدول الإسلامية، فإن تأثر الأنشطة الاقتصادية في شهر رمضان يبدو محدودا لانخفاض تأثر هذه الدول وأنظمة العمل فيها بالشهر الكريم.

إنشرها