السكك الحديدية .. الجدوى الاقتصادية تظهر معالمها

|


بعد توحيدها على يد الملك المؤسس، انطلقت المملكة في مسار متعدد الاتجاهات نحو التنمية الشاملة تسابق الزمن من حولها، لكن هذه الحركة التنموية الواسعة كانت مبنية على مفاهيم راسخة من الجدوى الاقتصادية للمشاريع، لهذا اهتم المخطط الاقتصادي بقضايا تنمية إيرادات الدولة، فأنشئت الوزارات الخاصة بذلك وتم توقيع الاتفاقيات مع الشركات النفطية. ومع تدفق الموارد، ركزت الحكومة على رفع حصة المواطن من الناتج المحلي، ولهذا تم شغل الوظائف الحكومية بالمواطنين، كما تمت تنمية مشاريع الموارد البشرية كافة، مثل المستشفيات والمدارس والجامعات ومؤسسات التدريب، ثم تعبيد الطرق وإنشاء الخطوط الجوية العربية السعودية، ثم ظهرت الحاجة إلى إنشاء مدن صناعية وتم إنشاء السكك الحديدية في السعودية، لكن بقدر الجدوى الاقتصادية لم تكن تكلفة إنشاء هذه السكك وربطها بالمدن مجديا اقتصاديا للمواطن الذي كان يجد دعما كبيرا في أسعار وقود السيارات، كما تم مد شبكة عملاقة من الطرق السريعة بين المدن، فتكلفة التنقل سواء بالسيارات أو الطائرات، أقل تكلفة من التنقل بواسطة السكك الحديدية، ولهذا اقتصرت خدمات السكك في المرحلة السابقة على النقل بين الرياض والدمام، مع خدمات محدودة لنقل الركاب. وأخيرا، تغيرت الخريطة الاقتصادية في المملكة، فتعداد السكان يتجاوز 33 مليون نسمة، كما أن اتجاه الحكومة إلى رفع أسعار الطاقة يجعل من السكك الحديدية خيارا جيدا عند البعض، إضافة إلى أن توجه المملكة إلى تنويع القاعدة الاقتصادية والاستفادة من التعدين مصدرا جديدا للدخل بدلا من الاعتماد على النفط فقط، فتح المجال على مصراعيه للمدن في شمال المملكة أن ترى قطارات السكك الحديدية تقطع المسافات فيما بينها. وجاءت التطورات سريعة جدا ومذهلة في وقت قياسي، فبعدما كان لدينا سكة حديد واحدة لشحن البضائع بطول 564 كيلومترا، من ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام إلى الرياض، تم إنشاء قطار الشمال - الجنوب الذي تديره شركة "سار"، بطول 2750 كيلومترا، وبتكلفة عشرة مليارات ريـال، ثم قطار الحرمين السريع للركاب بطول 450 كيلومترا، بلغت تكلفته 63 مليار ريـال.
يأتي مشروع "سار" في خطين رئيسين، الأول يربط بين مدن الرياض والقصيم وحائل والجوف، ثم إلى القريات على الحدود الأردنية، والخط الآخر من الجوف إلى مكامن الفوسفات ومجمع "وعد الشمال"، وهذا المسار له أهمية كبيرة في نقل الثروات المعدنية، والبوكسايت تحديدا، إلى مناطق المعالجة والتصدير في رأس الخير، وكذلك إلى المناطق الصناعية في الجبيل والدمام. وفي المقابل، نجد قطار الحرمين يعمل بالكهرباء ويربط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة مرورا بمدينة جدة ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية في رابغ بسرعة 300 كيلومتر في الساعة. وهكذا، نجد أن الجدوى الاقتصادية هي التي تحدد المسار الاقتصادي للمشاريع في السكك الحديدية، فالمشاريع في "وعد الشمال" اقتضت إنشاء مشرع "سار"، الذي استفادت منه مدن كثيرة وسيخدم الاقتصاد بشكل كبير، وفي قطار الحرمين نجد أن تزايد الحجاج والمعتمرين بشكل لافت يجعل من الصعب على النقل البري تقديم خدماته للزوار كافة، ولهذا فإن الجدوى الاقتصادية من هذا المشروع تبرر كل ما يتم الإنفاق عليه، خاصة أن المملكة تولي راحة الحجاج والمعتمرين وزوار الحرمين أهمية بالغة.
وكما يبدو أن قطار السكك الحديدية الذي ظهرت جدواه الاقتصادية أخيرا، انطلق في الأراضي السعودية ولن يقف مساره حتى يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، فالخطة الاستراتيجية للمؤسسة العامة للخطوط الحديدية تأمل في إنجاز مشروعات كبرى عبر المدن وموانئ الخليج العربي والبحر الأحمر.

إنشرها