أخبار اقتصادية- عالمية

محللون لـ "الاقتصادية": الدولار يتسيد أمام اليورو عبر زيادة الطلب والتجارة الدولية

في كانون الثاني (يناير) عام 1999 أصبح اليورو عملة بنكية لأول مرة في التاريخ، وسمح للبنوك بفتح حسابات بالعملة الأوروبية الموحدة ، بعد أن حددت قيمته مقابل العملات المحلية للدول التي وافقت على استبدال عملتها الوطنية بالعملة الجديدة. وفي الأول من كانون الثاني (يناير) عام 2002 بدأ التداول الرسمي باليورو، وأصبح العملة الرسمية في الدول الأعضاء في منطقة اليورو، وتم وقف التعامل بالعملات المحلية القديمة تدريجيا. ومنذ ظهر اليورو إلى حيز الوجود، والعلاقة مع الدولار محل منافسة شديدة، وبالطبع لا تخفي بلدان منطقة العملة الأوروبية الموحدة رغبتها في أن تحل عملتها محل الدولار على الساحة الدولية، وأن تملك مزيدا من التأثير في الاقتصاد والتجارة الدوليين عبر اليورو، حيث يشكل زيادة الطلب على العملة والتجارة الدولية عاملين حاسمين في الصراع بين الدولار واليورو. إلا أن الواقع لا يدعم حتى الآن على الأقل تلك الرغبات بشدة، فما زال اليورو يحتل المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي، وما زالت هيمنة الدولار تمثل في المقابل استفزازا دائما لأولئك الساعين لدور أكثر أهمية للاتحاد الأوروبي في الشأن العالمي. أنصار الدولار بطبيعة الحال لا ينكرون أن الاقتصاد الأوروبي يمكن مقارنته من حيث الحجم ودرجة التطور والتنوع بالاقتصاد الأمريكي، لكنهم ينكرون أن يكون للعملة الأوروبية الموحدة تأثير حقيقي في الاقتصاد الدولي، ويعتقدون أنها ستلعب دورا ثانويا لفترة طويلة. في المقابل، لا ينفي أنصار اليورو أن العملة الأوروبية الموحدة تصارع من أجل تبوء المركز الأول، لكنهم يشيرون إلى أنه رغم حداثتها مثلت تحديا حقيقيا للدولار، وأن القضية مرتبطة بعامل الوقت لتحل محل العملة الأمريكية في الاقتصاد العالمي. "الاقتصادية" استطلعت آراء مجموعة من الخبراء الاقتصاديين حول إمكانية أن يحل اليورو محل الدولار مستقبلا، وهل تتوافر لدى العملة الأوروبية الموحدة القدرة على تحقيق ذلك؟ البروفيسور جرين كيفين المستشار السابق لوزير المالية البريطاني، يشير إلى أن الولايات المتحدة جلبت فوائد كثيرة من سيادة الدولار على العملات الدولية، إذ ضمنت تمويلا رخيصا وغير محدود تقريبا لحكومتها وللشركات والمستهلكين في الولايات المتحدة، كما سمح لها بوضع الدولار بفرض عقوبات دولية فعالة على الخصوم، لأن هيمنة العملة الأمريكية يعني أنه لا يمكن لأي شركة القدرة على انتهاك الحظر الأمريكي دون غرامات ضخمة. ومن ثم، فإن البروفيسور جرين كيفين، يرى أن الاهتمام الأوروبي بوضع اليورو دوليا لا يعود لأسباب اقتصادية فقط، وإنما يرتبط برغبة أوروبا في أن تحظى بموقع مميز في السياسة الدولية. إلا أن الطموح لمنح اليورو دور أكبر في الأسواق العالمية، يواجه بعقبات اقتصادية وسياسية هائلة، ليست بسبب رسوخ مكانة العملة الأمريكية في الاقتصاد الدولي، وإنما لأن التغييرات السياسة التي من شأنها أن تهيئ الظروف اللازمة لتنمية دور اليورو غير متوافرة داخل بلدان العملة الأوروبية الموحدة، كما أن زيادة الطلب العالمي على اليورو يشكل تحديا لبعض السياسات الأساسية في بلدانه. ويقول لـ "الاقتصادية، البروفيسور جرين كيفين، إن "عاملان يحددان ما إذا كانت العملة هي عملة احتياطية. الأول دور العملة في المعاملات الدولية، فعندما تتعامل شركتان من دول ذات معاملات مالية مختلفة فإن العملة الأكثر كفاءة ومرونة تسود، ولهذا يتم تحرير فواتير التجارة العالمية غالبا بالدولار، حتى عندما لا تكون الشركات المتعاونة أمريكية، ووفقا لصندوق النقد الدولي فإن 80 في المائة من الواردات المقومة بالدولار لا تمس الولايات المتحدة نفسها، فدول مثل البرازيل والهند وتايلاند فاتورة ما يقرب من 80 في المائة من وارداتها تقييم بالدولار، على الرغم من أن وارداتها من الولايات المتحدة ليست سوى جزء صغير من إجمالي وارداتها. وعلى النقيض من ذلك فإن التجارة التي تستخدم اليورو تتضمن غالبا شركة أو دولة من منطقة اليورو". والعامل الثاني من وجهة نظر كيفين، يتمثل في أن الهدف النهائي لامتلاك أصول آمنة، هو أن تكون قادرا على شراء السلع والخدمات في المستقبل، وغالبا ما يحدث ذلك بالدولار وليس اليورو، وهذا يحدث طلبا مرتفعا على الأصول الآمنة بالدولار مثل سندات الخزانة الأمريكية، ويكوّن سوقا عميقة فيها كثير من المشترين والبائعين المستعدين للتداول في أي لحظة. والأهم أن معظم أصول البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم بالدولار الأمريكي". ويستبعد كيفين أن ينجح اليورو في أن يحل محل الدولار في الاقتصاد الدولي، بل على العكس يعتقد أن الأزمات التي يمر بها الاتحاد الأوروبي عامة ومنطقة اليورو خاصة تجعل مستقبل العملة الأوروبية محل شك، وسيظل الدولار من وجهة نظره سيد العملات لفترة طويلة مقبلة. جورجي ستيورت الخبيرة الاستثمارية تتفق مع البروفيسور جرين كيفين، في أن الدولار سيظل محافظا على مكانته المميزة في الأجل القصير، وربما في الأجل المتوسط، إلا أنها تعتقد أنه على المدى الطويل سيصعب على العملة الأمريكية أن تظل في وضع سيادي. وتضيف لـ"الاقتصادية"، أن "التأمين يلعب دورا حاسما في تشجيع التجارة الدولية، ففي عام 2017 تم تأمين أكثر من تريليوني دولار من البضائع أو 14 في المائة من إجمالي التجارة العالمية، والشركات التي تشتري السلع بالدولار تريد التحوط من مخاطر تقلبات العملة، ولتحقيق ذلك تعتمد في عقودها التجارية على التقييم بالدولار، وهذا يكشف عن تفوق الدولار، لكنه من الواضح ووفقا لدراسات حديثة، فإن اليورو قد أفلح في تثبيت جذور له في مجال التجارة الدولية خاصة في تعاملاته مع بلدان الاتحاد الأوروبي، ويلاحظ أنه في التجارة الدولية فإن أسعار الصرف الثنائية لا تهم، والسعر الوحيد المهم حقا هو سعر العملة المحلية مقابل الدولار، لكن عددا من الدراسات الحديثة أيضا أثبتت تزايد المقارنة بين سعر صرف العملة المحلية في مواجهة اليورو، ما يثبت تزايد الاهتمام العالمي بالعملة الأوروبية الموحدة كمعامل دولي في مجال التجارة العالمية". ومع هذا، يرى بعض الخبراء أنه يمكن أن نتخيل عالما يقف فيه الدولار واليورو جنبا الى جنب، كعملتين في منطقتين اقتصاديتين كبريتين يتمتعان بالثراء والمشاركة في التجارة العالمية، ولكن كي يكون كلاهما عملتين احتياطيتين فسيتعين عليهما إنتاج كمية وافرة من الأصول الآمنة للأجانب للاستثمار فيها، وهو ما يجب على البنك المركزي الأوروبي العمل عليه. وفي هذا الإطار، يوضح لـ "الاقتصادية"، كليف دين نائب رئيس قطاع المعاملات الدولية في مجموعة "إل. دي" للاستثمارات المالية، أن "السياسة المالية المحافظة للبنك المركزي الأوروبي تعني عدم وجود ما يكفي من أصول اليورو الآمنة للاستثمار فيها، ونتيجة الإطار المالي الذي تبناه البنك ستنخفض نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي في منطقة اليورو من 85 في المائة إلى 71 في المائة على مدى السنوات الخمس المقبلة، ومن ثم سيهبط المخزون المتاح من السندات الألمانية التي تمثل الأصل الآمن لليورو إلى أقل من 42 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الألماني، في الوقت الذي سيرتفع فيه نظيره الأمريكي إلى 117 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي". وتلقي وجهات النظر تلك بمشكلة اليورو وعدم قدرته على أن يمثل تحديا حقيقيا للدولار على عاتق بلدان اليورو ذاتها، فدولة مثل إيطاليا لديها احتياجات تمويلية ضخمة، لكن تصنيفها الائتماني ضعيف، خاصة في ظل أزمتها المصرفية الراهنة، ومن ثم فإن سندات اليورو لا تحظى بإقبال حقيقي مقارنة بالسندات الأمريكية. إلا أن الدكتور إم. دي روبن أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة ليدز يشكك في قدرة اليورو على الإطاحة بالدولار في أي وقت لأسباب تاريخية متعلقة بالقارة الأوروبية ذاتها. ويضيف لـ"الاقتصادية"، أنه "لم تكن العوامل الاقتصادية وحدها هي التي دفعت بالاقتصاد الدولي للاعتماد على الدولار، فالحرب العالمية الأولى والثانية لعبتا دورا حاسما في تعطيل توازن القوى في أوروبا، وأنهت تفوق الإمبراطورية البريطانية، وبالتالي دور الاسترليني، ولا يمكن لنا أن نتخيل أن يحل اليورو محل الدولار نتيجة لوضع اقتصادي يتمثل في أن العملة الأوروبية الموحدة باتت وسيلة للدفع، ويتطلب تفوق اليورو على الدولار إزاحة التوازن الحالي المتمثل في التفوق الأمريكي. صحيح أنه يمكن أن نشهد تنوعا بعيدا عن الدولار، لكن لا يمكن الاستغناء عنه عالميا، لأن ظهور اليورو كعملة رئيسة دولية يتطلب تغييرا جذريا في موازين القوى الدولية، وهذا مستبعد في الأجل المنظور على الأقل، بين بلدان اليورو أو حتى الاتحاد الأوروبي ككل والولايات المتحدة".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية