FINANCIAL TIMES

كاميرون وماكرون .. التودد إلى ميركل نهايته غير سارة

ظاهريا، ليس لدى ديفيد كاميرون وإيمانويل ماكرون كثير من القواسم المشتركة. رئيس الوزراء البريطاني السابق سيسجل في التاريخ باعتباره الرجل الذي أدت أخطاؤه السياسية إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. والرئيس الفرنسي الحالي عازم على أن يتم تذكره على أنه "باني أوروبا".
لكن على الرغم من هذه الاختلافات، فإن صراعات الزعيمين الأوروبية متشابهة بشكل غريب. شهد كل من كاميرون وماكرون علاقة وثيقة بين النجاح السياسي المحلي وقدرتهما على إصلاح الاتحاد الأوروبي. راهن كلا الرجلين على أن طريقهما إلى النجاح يمر عبر التودد لأنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية. كلاهما شعر بخيبة أمل بسبب استجابة ميركل، ووجدا نفسيهما في مشكلة سياسية عميقة نتيجة لذلك. وفي كلتا الحالتين، سيكون لفشلهما آثار بالغة في المشروع الأوروبي الأوسع.
بالنسبة لكاميرون، أدى عدم قدرته على تأمين قائمة أكثر إبهارا بالإصلاحات في الاتحاد الأوروبي لتقدم إلى الناخبين البريطانيين، إلى الهزيمة في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. في آخر قمة أوروبية له، ألقى رئيس الوزراء السابق، خطابا مريرا أمام زملائه القادة، ملقيا باللوم عليهم لعدم إعطائه مزيدا من التنازلات بشأن السيطرة على الهجرة من أوروبا. لقد شعر بخيبة أمل خاصة من ميركل، التي كان يعتمد على صداقتها وعلى الدعم الذي يلقاه منها.
بالمثل، قوبل ماكرون بالصدود من جانب المستشارة الألمانية. في خطاب ألقاه في جامعة السوربون في خريف عام 2017، طرح الرئيس الفرنسي المنتخب آنئذ، خططا طموحة لإعادة إطلاق الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك أفكار لوضع ميزانية جديدة لمنطقة اليورو ووزير مالية لها. وناشد ألمانيا أن تتخلى عن "محظوراتها" بشأن "التحويلات المالية" في مقابل الإصلاحات الفرنسية.
كان ماكرون يراهن على استجابة إيجابية من برلين، من شأنها أن تعيد تشغيل المحرك الفرنسي الألماني الذي دفع أوروبا إلى الأمام في كثير من الأحيان. لكن الاستجابة الألمانية لمقترحاته كانت باردة وحذرة.
عواقب فشل ماكرون في التودد إلى ميركل أقل حسما من رومانسية كاميرون المحكوم عليها بالفشل. لكن لا يزال من المرجح أن تكون عميقة. كان الرئيس الفرنسي يأمل في أن يتمكن من إطلاق "نهضة أوروبية" تجدد نشاط الاتحاد الأوروبي. من خلال ذلك، كان يأمل أيضا في هزيمة اليمين المتطرف في فرنسا، عبر إحياء الثقة في المشروع الأوروبي. بدلاً من ذلك، يستمر الشعوبيون المشككون في أوروبا في اكتساب مكانة لهم في جميع أنحاء القارة. في انتخابات البرلمان الأوروبي هذا الأسبوع، قد يتصدر حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الانتخابات في فرنسا.
ليس من المستغرب أن يخفي كل من كاميرون وماكرون الضغينة تجاه ميركل. لكن مثل هذه الأشيار في غير محلها إلى حد كبير. الاتحاد الأوروبي هو ناد يضم 28 دولة، ما يعني أن ضمان الحصول على دعم برلين، رغم أهميته، لا يكفي أبدا لضمان النجاح. وقد تلاحظ ميركل أنها عندما كانت في مأزق - أثناء أزمة اللاجئين في عام 2015 - لم تفعل الحكومتان البريطانية والفرنسية كثيرا للمساعدة.
حتى لو كانت ميركل قد وافقت على دعوة كاميرون لفرض قيود أشد صرامة على حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي، لم يكن هناك ما يضمن أنها يمكن أن تحصل على موافقة في البرلمان الألماني، فضلا عن الاتحاد الأوروبي الأوسع، حيث كانت ستعترض دول أوروبا الشرقية والجنوبية.
بالمثل، من شبه المؤكد أن المقترحات الفرنسية الخاصة بـ "تحول الاتحاد" ستمنع على مستوى الاتحاد الأوروبي من قبل "الرابطة الهنسية"، التي تضم هولندا ودول الشمال الأوروبي ودول البلطيق وإيرلندا. تعرف ميركل أيضًا أن الرأي العام في ألمانيا قريب من الهنسيين، وأنه يحذر بشدة من حدوث تكامل مالي أوثق مع فرنسا التي لم تنتج ميزانية متوازنة منذ سبعينيات القرن الماضي.
خيبة الأمل في باريس إزاء ميركل يكملها الآن قلق عميق بشأن ألمانيا بعد ذهاب المستشارة. لاحظ الفرنسيون بجزع وغضب الخطاب الذي ألقته أخيرا أنيجريت كرامب-كارينباور، خليفة ميركل المحتملة مستشارة لألمانيا، الذي اقترحت فيه إزالة عضوية فرنسا الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وإلغاء مجلس البرلمان الأوروبي الثاني في ستراسبورج.
سيأتي اختبار أكثر إلحاحا ومباشرة لحالة العلاقات الفرنسية الألمانية مباشرة بعد الانتخابات الأوروبية، عندما يتعين على قادة الاتحاد الأوروبي اختيار الرؤساء الجدد للمفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وغيرها من المناصب العليا.
تدفع فرنسا بميشيل بارنييه، كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي حول "خروج بريطانيا"، لتولي رئاسة المفوضية، ولديها مرشحين محتملين لرئاسة البنك المركزي الأوروبي. لكن يبدو أن الشعور الحالي في برلين هو أن بارنييه بعيد جدا عن يكون الشخص المناسب لعصر الشعبوية. كذلك تدعم حكومة ميركل طموحات ينس فيدمان لرئاسة البنك المركزي الأوروبي، وهو ألماني تعتبر وجهات نظره النقدية المتشددة مرعبة في جنوب أوروبا وفي فرنسا. ويبدو من غير المحتمل أن تصر ميركل في النهاية على مرشح استفزازي مثل فيدمان. لكن ربما لا يزال الألمان يطالبون برئيس للبنك المركزي الأوروبي ينتمي إلى الرابطة الهنسية بدرجة أكبر، ليحل محل ماريو دراجي. إذا حدث ذلك، سيتزايد قلق الفرنسيين.
في هذه الأثناء، يبدو أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ينجرف نحو استبدال بوريس جونسون بتيريزا ماي في رئاسة الوزراء. لقد جعل جونسون الأمر معروفا بالفعل. بصفته رئيسا للوزراء في المملكة المتحدة، سيتوجه إلى برلين لإعادة التفاوض مع ميركل بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. من المحتمل أن يكون هو الأحدث في سلسلة الخاطبين المحبطين، الذين رفضت المستشارة الألمانية، ذات الشخصية العملية بشكل بارد، خططهم المثيرة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES