«اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات» ودلالاته

|

لا شك أن "تقنيات الاتصالات والمعلومات" كانت بين أبرز التقنيات تأثيرا في حياة الإنسان في شتى المجالات. وتنتمي هذه التقنيات إلى أسرة واحدة ترتبط جذورها "بالكهرباء والإلكترونيات" و"المواد الطبيعية" التي تستخدمها، و"طيف ترددات الأثير" الذي تستند إليه. ظهرت علوم الكهرباء في مطلع القرن الـ19، وأخذت صيغتها الأولية ضمن "قانون أوم Ohm’s Law" الشهير عام 1826. وفي عام 1834 ظهر "التليجراف Telegraph" الذي ينقل إشارات رمزية تعبر عن معلومات عبر الأسلاك؛ حيث يتم تنفيذ هذه الإشارات عبر تقطيع التيار الكهربائي تبعا لمتطلباتها. وهكذا استطاع الإنسان نقل رموز المعلومات، وبالتالي المعلومات ذاتها، عبر الأسلاك من مكان إلى آخر. وقامت بريطانيا بإقامة أول "نظام تليجرافي" فيها عام 1837، وتبعتها في ذلك أمريكا عام 1844.
شهد عام 1865 حدثا دوليا مهما وكان ذلك تحديدا في 17 مايو، في العاصمة الفرنسية باريس. كان هذا الحدث هو التوقيع على "اتفاقية دولية للتليجراف ITC؛ ومثلت هذه الاتفاقية الأساس الذي أفرز فيما بعد إنشاء "الاتحاد الدولي للاتصالات ITU" عام 1932 بعد أن تطورت الاتصالات لتشمل شبكات للتليجراف والهاتف عبر قنوات اتصال سلكية ولاسلكية، إضافة إلى محطات البث الإذاعي. وفي عام 1947، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتأسيس منظمة الأمم المتحدة، أصبح الاتحاد هيئة دولية تتبع هذه المنظمة. في ذلك الوقت، ظهر الحاسوب، ليضيف إمكانات جديدة للتعامل مع المعلومات إلكترونيا. فإذا كانت الاتصالات تعمل على نقل المعلومات فإن الحاسوب يستطيع تخزينها، ويقوم بمعالجتها أيضا تبعا للمتطلبات.
في أيار (مايو) عام 1969 طرح الاتحاد الدولي للاتصالات فكرة "اليوم العالمي للاتصالات"، واعتبر تاريخ 17 أيار (مايو) الذي صدرت فيها "الاتفاقية الدولية للتليجراف" عام 1865 موعدا سنويا لهذا اليوم. وقد جاءت هذه الفكرة نتيجة للدور المتزايد لشبكات الاتصالات في ترابط العالم وتسهيل التفاعل بين الناس عبر أرجائه المختلفة. ولأن الاتصالات لم تعد الوظيفة الإلكترونية الوحيدة للتعامل مع المعلومات، بل أضيفت إليها وظيفتا التخزين والمعالجة، لذلك تم تعديل اسم "اليوم العالمي للاتصالات" ليصبح "اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات WTISD". جاء ذلك نتيجة توصيات "مؤتمر قمة مجتمع المعلومات WSIS" الذي عقد عام 2005، والذي أنشأ "اليوم العالمي لمجتمع المعلومات"، حيث تم عام 2006 دمج هذا اليوم مع "اليوم العالمي للاتصالات" ليكونا معا "اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات".
ابتداء من عام 1969 وحتى عام 2006 تم في 17 أيار (مايو) الاحتفال سنويا "باليوم العالمي للاتصالات"، أي إن عام 2006 شهد مرور "37 عاما" على هذا اليوم. وفي 17 أيار (مايو)، من هذا العام 2019، يكون قد مضى على اليوم العالمي المذكور، بعد تعديل اسمه، "13 عاما" أخرى. وبذلك نشهد اليوم مرور "50 عاما" على اليوم العالمي الذي بدأ بالاتصالات فقط ثم أضاف مجتمع المعلومات، ليعبر بذلك عن تكامل الأسرة المعلوماتية، الكهربائية والإلكترونية، في أداء نشاطات وتقديم خدمات تفيد العالم بأسره.
يعد "اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات" مناسبة سنوية يستغلها "الاتحاد الدولي للاتصالات" لطرح قضايا معلوماتية مهمة يحتاج إليها العالم. ففي كل عام هناك قضية تطرح من خلال الشعار السنوي للاحتفال بهذا اليوم العالمي. في عام 1969، كان الشعار هو "التعريف بالاتحاد الدولي للاتصالات" ودوره العالمي في تفعيل الاتصالات حول العالم وتنظيمها وحوكمتها. وفي عام 1971 اهتم الشعار "بالاتصالات الفضائية" عبر الأقمار الصناعية التي تنتشر اليوم على نطاق واسع. ولعلنا نختار فيما يلي بعض القضايا الرئيسة المهمة التي طرحتها الشعارات على مدى السنوات التي مرت على "اليوم العالمي" المذكور.
خلال سنوات القرن الـ20 بين السبعينيات وحتى نهاية التسعينيات، شملت القضايا المطروحة، في شعارات اليوم العالمي الاهتمام بتفعيل دور الاتصالات في كل من التالي: التعليم؛ والنقل؛ والأرصاد الجوية؛ والتنمية؛ والصحة؛ والثقافة؛ والبيئة؛ والرياضة؛ والمساعدات الإنسانية؛ والتجارة؛ إضافة إلى التجارة الإلكترونية. وتعزز اهتمام الاتحاد الدولي للاتصالات في بعض هذه القضايا، بمشاركة بعض الهيئات الدولية الأخرى. ومن أمثلة هذه الهيئات: منظمة الأمم المتحدة التربية والثقافة والعلوم: "اليونسكو UNESCO"؛ ومنظمة "الأرصاد الجوية WMO"؛ و"منظمة الصحة العالمية WHO"؛ و"برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP"؛ وغيرها.
في مطلع القرن الـ21، توسعت دائرة القضايا المطروحة وشملت موضوعات متجددة مثل: "ردم الفجوة الرقمية" بين الناس، والعمل على إتاحة الاتصالات للجميع، من أجل تمكينهم وتفعيل مشاركتهم في العمل المهني والحياة الاجتماعية. وتضمنت أيضا الاهتمام بدور الاتصالات في "التنمية المستدامة"؛ وبالعمل على "حماية الأمن السيبراني".
بعد ضم أفكار قمة مجتمع المعلومات وتعديل اسم اليوم العالمي المذكور، أي ابتداء من عام 2007، تم طرح قضايا متعددة ضمن الشعارات السنوية لهذا اليوم. وتضمن ذلك: موضوعات ترتبط "بالمجتمع"، وأخرى تتعلق "بالتقنيات" الجديدة وتطبيقاتها، وثالثة تركز على النواحي "التنظيمية". في المجال الاجتماعي برز الاهتمام: بتوفير تقنيات الاتصالات والمعلومات للأقل حظا من الشباب وأصحاب الإعاقة؛ وتعزيز دور المرأة في هذه التقنيات؛ وتفعيل الابتكار باستخدامها؛ وتعزيز ريادة الأعمال من خلالها؛ وحماية الأطفال من مخاطر الفضاء السيبراني؛ وتوفير بنى أفضل للحياة في المدن والمناطق النائية؛ وتقديم حماية أكبر للحركة على الطرقات. وفي المجال التقني، تضمنت الموضوعات: البينات الضخمة وتطبيقاتها وأثرها؛ والذكاء الاصطناعي واستخدامه الإيجابي. أما في المجال التنظيمي، فقد كان هناك موضوع "المعايير" والحاجة إلى إغلاق فجوة عدم الاهتمام الكافي بها واستخدامها والاستفادة من فوائدها. وقد تم طرح هذا الموضوع هذا العام 2019، في اليوم السنوي الـ50.
يظهر مما سبق أن قضايا "تقنيات الاتصالات والمعلومات" والتوجهات الدولية بشأنها تشمل مختلف نواحي الحياة. ولعل ما يلخص ذلك هو القول بأن "هذه التقنيات هي ممكن مهم لحياة اجتماعية ومهنية أفضل"، هذا إذا حَسنَ استخدامها بشكل إيجابي في شتى المجالات. فالتقنية عموما سلاح ذو حدين: حد للخير يجب الاستفادة منه؛ وحد للشر ينبغي الابتعاد عنه. ولا شك أن أمام "التحول الرقمي" الذي يشهده عالم اليوم خيرا كثيرا يقدمه لأجيال المستقبل، ولكن هناك مخاطر لا بد من تجنبها.

إنشرها