ثقافة وفنون

الطيب تيزيني .. «فيلسوف الثورة» الثائر على نفسه

رحل الطيب تيزيني إلى دار البقاء، بعدما أدرك أن الدموع التي تغالبه عند كل حديث عن الأوضاع في بلده الأم سورية وبقية العالم العربي الجريج، لن تغير شيئا من واقع عربي ممزق مأزوم، لا يتردد في وصفه بـ"حالة سقوط لكل شيء"، فلا مجال عنده للحديث عن "الغد في السياق العربي".
لا يرد هذا القول الصادم من باب التشاؤم، بقدر ما هو توصيف للحطام المعرفي والعلمي الذي يجري في هذا العالم، ودعوة إلى الإسراع بمراجعة التراث والأفكار والطروحات بعقل نقدي تحرري، لفتح الدوائر المغلقة واستنهاض الفعل الجماهيري، ولو تطلب الأمر "البدء من الصفر من جديد" والتعبير له. غادرنا مفكر خلف قائمة طويلة بعشرات الكتب؛ يندرج بعضها ضمن خانة الكتب العربية المؤسِسة، في حقول معرفية شتى. وحكيم كان ضمن مجلس الحكماء السوريين؛ أثناء اندلاع أحداث الثورة عام 2011، وحقوقي أسس لعدد من الهيئات الحقوقية، من أبرزها "منظمة سواسية الحقوقية" في سورية. ومناضل ندر حياته من أجل نصرة المظلومين والكادحين والمعذبين في الأرض.
ودّعنا رجلا من طينة خاصة، مهما بلغت درجة اختلافك معه في الموقف والرأي، حتما سيأسرك بإنسانيته المفرطة، وتواضعه الجم، وأخلاقه العالية. وهو ما امتد إلى كتاباته التي تتسم بجرأة استثنائية؛ إذ لا يتوانى في نقد ما كتبه باستمرار، ومراجعة استنتاجاته حسب تطور الأحداث، وتراكم الخبرات المنهجية والنظرية والتاريخية. فلم يعد يؤمن بالتراث والثورة، كما عنون إحدى كتاباته، بل بالتراث والنهضة.
وله في معرض تفسير أسباب هذه الانعطافة النوعية في مشروعه الفكري قول طويل نقتبس منه "إن هذا التحول عندي من مشروع الثورة -حيث كان حسن حنفي يصفني بأنني فيلسوفها بينما هو فقيهها - إلى مشروع النهضة لفوارق أساسية بين المشروعين يبرز في مقدمتها ما يتصل بالحوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية لكل منهما، فمشروع النهضة مشروع الجميع الشعب والأمة ككل، أما مشروع الثورة فهو مشروع طبقة، فهو مشروع باتجاه تموضع اجتماعي وطبقي ذي بعد غير شامل، وإن كان يحمل إمكانية تحوله إلى الشمول".
بلور الطيب تيزيني معالم مشروعه الفكري نهاية سنوات الستينات، إبان إعداده أطروحة الدكتوراه في ألمانيا تحت عنوان "تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة". واختار أن يكون المنهج الماركسي أداته، والتراث مادته البحثية؛ ضمن نزعة دارجة في تلك الفترة، جعلت التراث يظهر مثل خشبة تطفو بالقرب من الغرقى. لكن يحسب له أنه استطاع تطبيق المنهج الماركسي على التراث دون الوقوع في الحمولة الأيديولوجية لهذا الخطاب، محافظا عليه كأداة معرفية إلى حد كبير.
هذا الالتزام المنهجي انعكس بوضوح على مواقف الرجل في عديد من القضايا التي تشغل بال المفكرين والباحثين إلى اليوم بحثا عن المعنى في عالم مضطرب. فعلى سبيل المثال، كانت قراءته نوعية لظاهرة العولمة؛ في كتابه "استكشاف أسئلة الفكر العربي الراهنة"، فالعيش تحت وطأتها يسهم بقوة في التشويش على عملية تكوين منظومة أو منظومات معرفية في الأوساط العربية الثقافية العامة، يمكن الإطلال من خلالها على التحولات الكبرى الحاصلة في الغرب عامة.
كما كان له موقف من التيارات الدينية التي يرى أنها خوصصت الإسلام لمصلحتها، بعدما استطاعت ملء الفراغ الذي أعقب فشل المشاريع الأخرى المنافسة في الساحة الفكرية والسياسية، حيث فشل المشروع النهضوي الليبرالي واليساري والقومي، وتراجع النخب المثقفة عن الاطلاع بدورها في قيادة المجتمعات. كل ذلك حول الإسلام بحسبه "من دين للشعب أو للمسلمين إلى دين للإسلاميين، الأمر الذي جعله صيغة من الأيديولوجيا التي أقصت التدين الشعبي وصادرته."
بعيدا عن التنظير قريبا من الممارسة، تنبأ الراحل قبل عقد من الزمن، تحديدا عام 2000، بقرب حدوث انفجار طائفي في سورية، وقال وقتها "إن حدث ذلك، فهذا لا يعني أن الشعب السوري طائفي، بل إن ثمة مبررات وممارسات ستقود إلى لحظة انفجار من هذا النوع".
كان صاحب كتاب "من التراث إلى الثورة" في طليعة من نزلوا منذ الأيام الأولى للتظاهر في سورية، ما عرضه للاعتداء رغم سلمية الاحتجاج، دون أن يكون ذلك مبررا يدفعه إلى مغادرة بلد يحترق؛ كما فعل كثيرون، ممن ركبوا موجه تمثيلية الثورة والدفاع عنها في الخارج، بينما فضل الراحل المكث في مدينة حمص التي يعدها المبتدأ والمنتهى في حياته، والاعتكاف بمساعدة ابنته على كتابة سيرته الذاتية، مصرحا في إحدى مقابلاته "حين تنتهي، أكون قد انتهيت أنا"، لافتا إلى أنه بات ينسى كثيرا من الأسماء والأماكن في الفترة الأخيرة.
ما لا شك أن فيه أن سيرة الراحل تعد بكثير من الحقائق والمراجعات وربما بعض المفاجآت. فالمتتبع للحوارات القليلة للرجل في عز صراعه مع المرض يقف عند إشارات متناثرة هنا وهناك، تؤكد أن معول النقد والمراجعة لم يتوقف عن الاشتغال لدى هذا المفكر، رغم بلوغه من الكبر عتيا.
بدا هذا الأمر في طريقة تعاطيه مع المسألة السورية من خلال تقديمه لما أسماه الطريق الثالث، كحل لهذا النزيف المستمر لأزيد من ثماني سنوات، والمقصود به طريق لا هو بالصدام ولا بالاستكانة، أو بتعبيره "طريق تحت سقف التصادم وفوق سقف التسليم".
وبدا أيضا فيما ورد في أحد حواراته، قبل نحو سنتين من الآن حين قال "بعد كل الذي حدث في سورية وفي غيرها، أعلن أن كل ما كتبته في حياتي أصبح ملغى وفي حاجة إلى إعادة نظر. وقد انتهيت في رحلتي الفكرية إلى الإيمان بوحدة العالم، يجب العودة إلى محاولة تحريرالمناصرين دينيا من الزيف الذي وقعوا فيه، كي نعمم السلام الحقيقي في العالم".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون