ثقافة وفنون

العاصوف و«جهيمان» .. تجسيد يستحث الذاكرة ويثير الأسئلة

حصدت الحلقات الثلاث الأخيرة من مسلسل العاصوف بجزئه الثاني، التي تناولت قصة جهيمان واقتحامه الحرم المكي أواخر عام 1979، نجاحا منقطع النظير، وأثارت ردود فعل متباينة، دفعت لأن يكون هذا العمل على قائمة الترند العالمي على تويتر، لشدة الإتقان وتصوير الأحداث، كما حدثت في الماضي.
المسلسل، الذي يعرض على قناة MBC1، يسلط الضوء على الطفرة، التي حصلت في المملكة بعد منتصف السبعينيات حتى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك من خلال شخصيات العمل وتطور علاقاتها، آخذا في الاعتبار التطورات الإنسانية والاجتماعية في المملكة، وأهم الأحداث السياسية في تلك الحقبة.

رصد التحولات الاجتماعية
الحرم المكي بتفاصيله سيطر على المشهد بأكمله، وهو ما يعكس إبداع المخرج المثنى صبح، الذي أخرج مجموعة من الحلقات حول حادثة اقتحام الحرم المكي، نالت مشاهدات مليونية على مستوى العالم العربي، وكشفت خفايا وأسرار لم تكن معروفة لكثيرين، خصوصا المشاهدين من الأجيال الجديدة. يضم العاصوف إلى جانب النجم الكبير ناصر القصبي، نخبة من الفنانين، مثل عبد الإله السناني، ليلى السلمان، ريم عبدالله، حبيب الحبيب، ريماس منصور، زارا البلوشي، إلهام علي، عبدالعزيز السكيرين وآخرين، وهي شخصيات كانت امتدادا للجزء الأول، لكن الصراعات فيها تتطور وتنضج إلى أفق جديد، ترصد في الوقت ذاته أحوال المملكة، خصوصا الرياض.
القصبي قال في تصريح سابق بأنه عمل ما يقارب خمسة أعوام لبناء الفكرة وتطويرها، واحتاج اكتمال النص وقتا طويلا تبعه تحضير الإنتاج، لتقديم صورة واقعية عن تاريخ الرياض.

يعقوب الفرحان
بدور جهيمان
التشابه في الملامح بين جهيمان والممثل السعودي يعقوب الفرحان كان كبيرا، ما أعطى جرعة من الإبداع في تجسيد تفاصيل أحداث قصة اقتحام المسجد الحرام في فجر أول يوم من القرن الهجري الجديد، في عهد الملك خالد- رحمه الله.
بدأت الحلقة بظهور خالد الطيان (ناصر القصبي) مع جده أبو يعيش أثناء أداء مناسك العمرة، وبعد الانتهاء من صلاة الفجر يبدأ الهجوم الغاشم في مشهد تداخلت فيه الأدوار والأحداث، حيث الخطب الدينية ورفع الأسلحة والذخائر، التي كان دخولها للحرم عن طريق نعش الموتى، لإيهام المصلين أنها جثث للصلاة عليها، إلا أنها كانت في حقيقة الأمر أسلحة ورشاشات وذخيرة. جهيمان، المنتمي للجماعة السلفية المحتسبة، قائد المسلحين الذين اقتحموا الحرم المكي، بأفراد يبلغ عددهم نحو 200 مسلح، دعوا إلى مبايعة أحدهم على أنه "المهدي المنتظر"، الذي كان صهرا لجهيمان.
العملية التي استمرت نحو أسبوعين، انتهت بإعدام جهيمان وجميع المتبقين من رفاقه، تاركة أثرا لا يمحى، كونها كانت في أكثر الأماكن قدسية لدى المسلمين.

في الذاكرة
تجسيد حادثة الحرم أعادت للذاكرة أحداثا جسيمة في ذاكرة العالم الإسلامي، وركزت على بعض الخصائص السيكولوجية للإرهابيين مثل الولاء والانتماء التام والطاعة دون تفكير، واستخدام الدين كذريعة لتحقيق أهداف سياسية.
أحد العوامل التي دفعت لنجاح العاصوف هو أن قصة جهيمان لم تطرق من قبل في أي عمل درامي، لذلك حظي العمل بكل هذا الاحتفاء، رغم بعض الأخطاء في الديكور، التي وثقها بعض المشاهدين عبر وسائل التواصل، مثل ظهور سيارات حديثة نوعا ما، أو وجود أثاث وأجهزة حديثة مثل الفاكس ومطابخ الألومنيوم والأريكة الأمريكية، أو ما أثاره مشهد حبيب الحبيب حينما طلب بطاقة أحد الممثلين، في حين لم يكن مصطلح "بطاقة" دارجا، في حين كانت تسمى "تابعية" أو حفيظة نفوس، لكن هذه الأخطاء واردة الحدوث في أعمال درامية ضخمة مثل العاصوف، بل واردة الحدوث في مسلسلات عالمية، مثلما حدث في مسلسل "صراع العروش" الشهير، الذي انتهت حلقات موسمه الثامن الأسبوع الماضي، ورغم ضخامة الإنتاج؛ ظهرت زجاجة مياه وكذلك كوب قهوة من أحد المتاجر الشهيرة في مسلسل فانتازي قديم، ما أثر على مصداقية المسلسل، وسادت حالة من الهرج والمرج حول العالم.

تعاطف مع «السناني»
شخصـيــــة "محســــــن"، التي أداها الفنان عبدالإله السناني كانت إحدى لمسات الإبداع في العاصوف، فعلى مدار حلقات المسلسل كره المشاهد شخصيته ودوره، ثم ما لبث أن تعاطف معه في مشاهد لاحقة.
وكان السناني قد كشف في بيان صحفاي لمجموعة MBC بأن المشاهد لمس في الجزء الأول أن هذا الرجل مختلف عن بقية أفراد الأسرة، وفي الجزء الثاني تزداد حدة الصراع بين الشقيقين، في مقابل توازن تمثله الأم، التي تحاول دائما تهدئة الوضع، أما الأسباب النفسية والمادية لنقمة محسن، فيوضح السناني بأنها تعود لعدم تمكنه من الإنجاب، فضلا عن كونه غير ناجح في تجارته، لذا فهو يغار من شقيقه ما سيدفعه في مرحلة ما إلى ارتكاب أشياء قد لا تحمد عقباها.
ويضيف السناني "هذه شخصية سيكولوجية، تتفاعل مع الحدث بحسب المصالح، لذا نراها متذبذبة، تعاني حالة نفسية اضطرابية".

جهير تتألق
تفاعل الجمهور بالأداء المتقن للفنانة ريم عبدالله في شخصية "جهير"، فالحوارات الثنائية التي جمعتها بالفنان ناصر القصبي كان تأخذ قوالب درامية، تتجه إلى الصراع بين رجل وزوجته، بسبب الغيرة نظير مواقف الزوج القديمة، فيضطر لأن يقدم مبرراته في كل مرة، وهي مناكفات نالت جانبا من محبة الجمهور. ومن الشخصيات التي تعد بمنزلة مساحة لالتقاط الأنفاس بعيدا عن الصراع الدرامي، هي شخصية "حمود" التي يؤديها الفنان حبيب الحبيب، إذ يقدم شخصية ساذجة تتعامل مع كل الأمور باللامبالاة، وهو باختصار فاكهة هذه العائلة لناحية التعليقات والمواقف الطريفة التي تصدر عنه لبساطته وسذاجته. التطور في الأفكار وشخصيات العمل الدرامي يسير بشكل متميز، ما يزيد من ترقب المشاهد للجزء الثالث، وسط توقعات بأن تسلط الضوء على حرب الخليج الثانية عام 1990.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون