التخصص غير كاف .. والتكامل مطلوب

|

في الدول، وفي المدن، وفي المؤسسات الكبرى، تتوسع الأعمال، وتختلف المهمات، وتتشعب المجالات، وتتداخل في اعتماد بعضها على بعض. وأمام ذلك يجري اللجوء إلى هيكلة هذه الأعمال وتجزئة مهماتها تبعا لطبيعتها ومتطلبات تخصصاتها. فعلى مستوى الدول نجد الأعمال الحكومية موكلة إلى وزارات وهيئات مختلفة، كل تؤدي دورا محددا لها. وفي المدن نجد الخدمات موزعة إلى إدارات متعددة تقوم بها. وفي المؤسسات الكبرى كالجامعات نجد الكليات وما يرتبط بها؛ أو ربما كالمستشفيات حيث الأقسام العاملة كل في تخصص محدد؛ أو غير ذلك من المؤسسات الكبرى التي تلجأ إلى تجزئة مهماتها، بهدف القيام بها على أفضل وجه ممكن.
وعلى الرغم من فوائد التجزئة والتقسيم في أداء الأعمال وتكليف المختصين بذلك، كل في مجاله، إلا أن هناك مشكلة تتمثل في كثير من الأحيان في شبه انعزال الأجزاء في أعمالها عن الأجزاء الأخرى. ويؤدي شبه الانعزال هذا إلى إعاقة المهمات المتداخلة بين الأقسام؛ وإلى الحد من الشراكة بينها في حل "المشكلات المشتركة"؛ إضافة إلى تعثر التعاون على التطوير والاستجابة لمتطلبات المستقبل، مثل التوجه نحو "التحول الرقمي" الذي يشمل عوامل عديدة تقضي بضرورة التعاون بين الجميع.
في عام 2012 دعت الأمم المتحدة عبر تقريرها الدوري حول حالة "التعاملات الإلكترونية الحكومية" إلى ما أسمته "أسلوب الحكومة الشاملة Whole of Government Approach: WGA". ويعبر عن هذا الأسلوب، في إطار التعاملات الإلكترونية، "بوقفة حكومية واحدة One Stop Government"، أي موقع حكومي إلكتروني واحد على الإنترنت تقدم عبره خدمات جميع الوزارات والهيئات الحكومية. كما يعبر عنه أيضا "بالحكومة المترابطة Joined-up Government: JG"؛ وقد استخدمت الحكومة البريطانية هذا التعبير في تسعينيات القرن الماضي في إطار جهودها لتحسين الأداء الحكومي.
يقضي "أسلوب الحكومة الشاملة" بوجود روابط تحقق التكامل بين الأعمال التي تؤديها الوزارات والهيئات العامة المختلفة من أجل أداء أكثر فاعلية في تنفيذ المتطلبات، وأعلى كفاءة في تحقيق ذلك بأقل الموارد، وأفضل رشاقة في سرعة تقديم النتائج. وقد اهتمت دول أخرى كثيرة بهذا الموضوع، وأصدرت وثائق بشأنه، ومن أمثلة ذلك وثيقة "الأساس في تنفيذ أسلوب الحكومة الشاملة" الصادر عن "مركز الخدمات" الفعالة CES، عام 2014، في "إيرلندا". ويشهد هذا الأسلوب اهتماما دوليا متزايدا، في إطار عمل حكومات الدول على تحقيق "أهداف التنمية المستدامة SDGs"، وهي أهداف عالمية مشتركة أصدرتها الأمم المتحدة عام 2015 متطلعة إلى الوصول إليها عام 2030. ففي إصدار دولي حديث، هذا العام 2019، طرح "الاتحاد الدولي للاتصالات ITU"، وثيقة تختص "بالاستثمار في التحول الرقمي" من أجل إنجاز هذه الأهداف، وذلك عبر تطبيق "أسلوب الحكومة الشاملة WGA".
على مستوى المدن، وفي مسألة تحول المدن حول العالم إلى "مدن ذكية" رأى "معهد المعايير البريطاني BSI"، في إصدار له عام 2014، أن الخدمات المقدمة إلى المواطنين في المدن تبدو وكأنها معزولة عن بعضها بعضا، وكأن كلا منها "برج Silo" منفصل عن الأبراج الأخرى. وبين المعهد أن مثل هذه الخدمات تتضمن قضايا "التعليم، والصحة، والإسكان، والخدمات المدنية والاجتماعية، والشؤون المالية، وخدمات الكهرباء، والماء، والاتصالات، والنقل، وغيرها". ورأى أن لكل من هذه الخدمات: بنية تقنية، وبيانات خاصة، وخدمات. ودعا إلى عدم الإبقاء على هذه الخدمات معزولة أو شبه معزولة عن بعضها بعضا؛ وأوصى بضرورة وجود روابط بينها وشراكة في إمكاناتها، تؤمن لها أداء أفضل فاعلية وكفاءة، ورشاقة أيضا.
ما ينطبق على مستوى الدول والمدن ينطبق أيضا على مستوى المؤسسات الكبرى، سواء العامة أو الخاصة، التي تتضمن أقساما مختلفة، تبدو وكأنها منعزلة، أو شبه منعزلة، عن بعضها بعضا كالجامعات والمستشفيات وغيرها. فلا بد من روابط بين كليات الجامعات، خصوصا مع حاجة سوق العمل إلى برامج مشتركة تقدم مؤهلين في أكثر من تخصص، مثل مندوبي مبيعات التقنية الذين يحتاجون إلى تأهيل تقني وإداري وتسويقي مشترك. ولا بد من روابط بين أقسام المستشفيات أيضا للعناية بمن يعانون حالات تحمل مشكلات صحية متعددة.
ولعله من المناسب هنا إبداء ملاحظتين رئيستين بشأن ما سبق، على مختلف المستويات سابقة الذكر. تقول الملاحظة الأولى أن على جميع الأقسام، سواء كانت وزارات أو هيئات أو كليات في الجامعات أو أقساما في المستشفيات أو غير ذلك، التي تبدو كأنها "أبراج معزولة"، أن تقيم "جسورا" تجمعها مع الجهات ذات العلاقة بأعمالها، بما يؤدي إلى أداء أفضل لهذه الأعمال، يحقق الطموحات الآنية والمستقبلية. وعلى هذا الأساس يبقى "تقسيم الأبراج" قائما، ولكن مع "جسور" تجمع بينها. أما الملاحظة الثانية فتقضي بالحرص على الاستفادة من كل من "الأبراج"، حيث التركيز على "التخصصات" المطلوبة، ومن "الجسور" حيث "التواصل" المطلوب أيضا، دون أن يعيق أي منهما الآخر، بل أن يعزز العمل والشراكة، ويقود إلى فاعلية أكبر وكفاءة أعلى ورشاقة أفضل في جميع المجالات.
لا شك أن المملكة تسير خطوات إلى الأمام في موضوع "أسلوب الحكومة الشاملة". فخدمات "أبشر"، على سبيل المثال، تقدم نطاقا واسعا من الخدمات عبر جسور مع جهات عدة، حيث تحقق من خلال ذلك فاعلية وكفاءة ورشاقة في العمل تعود بالفائدة على هذه الجهات، وعلى متلقي الخدمات، وعلى المجتمع بأسره. ثم هناك مثال جهود "يسر" في التعاملات الإلكترونية الحكومية" على مستوى الدولة. ويضاف إلى ذلك مثال آخر هو العمل المتوقع "لهيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية"، التي يتوقع أن تقيم الجسور بين مختلف الجهات لتقديم أداء أفضل لمصلحة الجميع.
إن عقلية "التقسيم إلى تخصصات"، على مختلف المستويات: الدول والمدن والمؤسسات، أمر إيجابي في أداء الأعمال، لكنه غير كاف. فلا بد من "جسور تربط بين هذه الأقسام" لتعزز التعاون والشراكة فيما بينها، حيث يستجيب ذلك لمتطلبات الحياة التي لا تكون تخصصية دائما، بل متعددة التخصصات في كثير من الأحيان، وحيث يقود ذلك أيضا إلى جودة في الأداء تتميز بالفاعلية والكفاءة والرشاقة.

إنشرها