FINANCIAL TIMES

فلنبحث دوما عن التجديد ولو في الوطن

يا لحسن حظي. لقد عدت للتو من عطلة عائلية في أكثر البلدان غرابة، أي اليابان.
هناك كثير من المعالم السياحية الجديدة والأذواق الغريبة: من حدائق الزهور والحمامات إلى الروبوتات والقطارات السريعة و"مقهى كاواي مونستر".
على الرغم من أننا كنا هناك أكثر من أسبوع بقليل، إلا أنه من الصعب تصديق أننا حصلنا على الكثير في هذه الفترة.
خلال عطلة مليئة بالمغامرات، يواجه عديد من الأشخاص شعورا غريبا بأن الوقت يتباطأ بصورة ممتعة للغاية، وبالمحادثات التي تبدأ "هل كان هذا بالأمس فعلا عندما..؟". عشرة أيام في أرض بعيدة، تنتج خزانة ثرية بالذكريات المفصلة أكثر من عشرة أسابيع في الوطن.
ماذا وراء هذه الظاهرة؟ وهل تعلمنا شيئا عن عيش الحياة بحذافيرها؟ إحدى الإجابات تأتي من كلود شانون، عملاق علوم الكمبيوتر الذي لا يزال يحظى بتقدير كبير خارج مجال عمله.
في عام 1948، نشر شانون إحدى مساهمتيه الرئيستين: النظرية الرياضية للاتصال.
أحد الآثار المترتبة على نظرية شانون أنه يمكن اختصار الرسالة إلى الحد الذي يمكن توقعها.
يعرف أي شخص لعب لعبة التخمين "هانجمان" أنه بمجرد وجود عدد قليل من الرسائل، يكون من السهل عادة توقع ما تبقى.
المحادثات الطقوسية من شاكلة: "كيف حالك؟" يمكن اختصارها بشكل كبير؛ ولكن ربما يكون ذلك أقل ورودا في الشعر.
يمكن اختصار الفيلم لأن بين الانقطاعات تميل كل لقطة لأن تشبه اللقطة السابقة. يمكن أن تبدأ خوارزمية الاختصار باللقطة الأولى بعد القص وتخزين سلسلة من "الاختلافات" - وهي تغيرات من اللقطة السابقة.
كلما كانت الحركة أو الانتقالات أسرع وأكثر دراماتيكية، زاد اختصار الفيديو، لأن الاختلافات كبيرة مثل حجم اللقطات الأصلية. على الرغم من أن التماثل ليس دقيقا، يبدو أن الشيء نفسه يحدث مع ذكرياتنا في الحياة. الدماغ ليس مسجل فيديو؛ فنحن نتذكر خلاصة الأمور. في بعض الأحيان تكون الخلاصة قصيرة جدا.
إذا استيقظت في الصباح في الوقت المعتاد، وتناولت وجبة الإفطار المعتادة وأخذت قطاري المعتاد إلى المكتب، فلماذا يجب على عقلي أن يعاني بتذكر هذا اليوم بعد أسبوعين من حدوثه؟ الاختلافات تستحق العناء. في المقابل، فإن التجارب الجديدة ترفض الاختصارات: الاختلافات كبيرة جدا. يمكننا توسيع نطاق هذه الفكرة لتشمل جوانب أخرى من الحياة، مع زيادة حجم محتوى المعلومات إلى أقصى حد عن طريق جعل الأشياء غير متوقعة.
برايان كريستيان، مؤلف كتاب "الإنسان الأكثر إنسانية"، وهو كتاب عن المحادثات بين البشر وأجهزة الكمبيوتر، يتوقع أننا إذا كنا نسعى للحصول على المشورة، فيجب علينا أن نسأل الشخص الذي لسنا متأكدين من إجابته. إذا كنا نريد أن نفهم شخصا ما، فيجب أن نسأله السؤال الذي نملك أقل توقع لإجابته.
ربما يكون أفضل كاتب عمود في صحيفة هو الذي تكون كتاباته لا يمكن التنبؤ بها؟ قد يتجاوز ذلك الحدود: كثير من الأمور الجديدة أمر مرهق، ونحن بحاجة إلى مرساة لتوقعاتنا. بيد أنني أتذكر صديقة تقول إن صحيفتها المفضلة خضعت لمفاهيمها المسبقة، لدرجة أنها لم تكن حقا بحاجة إلى قراءتها؛ يمكنها أن تفكر مليا في كل شيء صدقته بالفعل. نحن الكتاب التافهون يجب أن نأمل أن نؤدي الأفضل. لا يريد المرء حياة متجددة بشكل لا نهاية له، لأن ذلك سيعني موكبا من الانطباعات والمقارنات السطحية.
من المستحيل اختصار الجمود، بشكل مفاجئ، دون فقدان المعلومات، لأن عشوائيته تجعل التنبؤ أو الاستيفاء مستحيلا. يعد الجمود أيضا بلا معنى. كثير من المستجدات العشوائية، تنتج تجربة حية لا تختلف عن الجمود، بسرعة كبيرة.
إحدى فضائل التجربة أنها يمكن أن تناغمنا مع التفاصيل الدقيقة والروابط العميقة: "عالم في حبة رمل، وجنة في زهرة برية". قد تتيح لنا أيضا استخلاص المعنى من إشارة موجزة إلى مجموعة أكبر من العمل. إذا أصبحت التجربة المتكررة مملة، ولم نبحث عن الأعماق، ستكون أيامنا قليلة وعرضة للنسيان.
لذلك إذا كنت تريد حياة كاملة، غنية بالذكريات، استمر في البحث عن تجارب جديدة. هذا أسهل بكثير للصغار من الكبار، لكنه أمر ممكن لأي شخص.
المحادثات المفاجئة موجودة دائما، وعلى الرغم من أن قضاء العطلة في الجانب الآخر من العالم هو مصدر باهظ التكلفة، إن كان موثوقا، للتجارب الحية، إلا أن التجديد ميسور التكلفة لأي شخص في شكل موسيقى أو كتب جديدة أو حتى المشي في مسار غير مألوف في بلدتك. من المفيد دائما البحث عن كل ما هو ممتاز - ولكن بالنسبة للذكريات الحية، فإن التميز القديم لا يكفي. التجديد مهم أيضا. أظن أننا جميعا نعرف هذا، ومع ذلك فإننا دائما ما نكون في روتين معتاد. غالبا ما أتناول الغداء نفسه في المكان نفسه، ولدي طاولة مفضلة في المكتبة، وأستمتع بأنواع معينة من الأفلام والكتب. في هذه اللحظة، هذه العادات مريحة وملائمة. في المستقبل، سيؤدي ذلك إلى حياة مختصرة بسهولة أكبر في الذاكرة. في اليابان، كان من الصعب تجنب المناظر المفاجئة والحالات التي تجذب الانتباه. الآن أنا مصمم على البحث عن كل ما هو جديد وصعب، حتى في بريطانيا، تماما كما فعلنا عندما كنا بعيدين عن الوطن.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES