دور نظام التجارة الإلكترونية

|


يبلغ حجم التجارة الإلكترونية نحو 80 مليار ريال، وتتوقع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات أن يصل إلى 125 مليار ريال خلال 2025، وتعد السعودية واحدة من أكبر عشر دول نموا في هذا المجال، لكن رغم هذا الرقم وهذه المكانة العالمية إلا أن حصة المملكة في هذه السوق عالميا لم تزل أقل من الطموحات، حيث إن قيمة التجارة الإلكترونية حول العالم بلغت أكثر من 30 تريليون دولار، ولمواكبة هذا التطور وتحفيز النمو في هذا المجال، وافق مجلس الشورى قبل عدة أيام على نظام التجارة الإلكترونية من أجل بناء إطار نظامي لتسهيل التعامل التجاري الإلكتروني، ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه أي مشروع لتنظيم الأعمال التجارية بشكل عام، فإن التحديات التي يواجهها تنظيم التجارة الإلكترونية تعد أكبر وأضخم، خاصة إذا كان الهدف الأساس من هذا النظام هو حماية الطرفين: المشتري والبائع، أو موفر الخدمة والمستهلك.
لعل أصعب الأمور التي تواجه تنظيم العقود في فضاء الإنترنت هو غياب الدليل المادي، فالعلاقات بين البائع والمشتري تتم من خلال ما يسمى التوثيق الإلكتروني، حيث يتم تبادل المعلومات والبيانات والتوقيع على العقود إلكترونيا، وحيث إنه يمكن لطرف التحقق من صحة هذه البيانات، فإن الطرف الآخر في العملية قد لا يتمكن من ذلك، فالبيع لا يتم من خلال معاينة مانعة للجهالة، بل إن المشتري يعتمد الصور التي يعدها البائع ويرفعها على موقعه الإلكتروني، كما أن المشتري يضع البيانات المتعلقة بالحساب المصرفي أو البطاقة الائتمانية وعلى البائع قبول مخاطر انتحال الشخصية أو سرقة البيانات، وعند حدوث مثل هذه الحالات فإن التقاضي بين الطرفين يتطلب المثول أمام القضاء، وإذا كانت المواقع الإلكترونية التي تمارس هذا النوع من التجارة غير مرخصة، فإن التقاضي لن يكون سهلا ويصعب جلب الأدلة إلى منصة القضاء، وإذا استمرت الحال على هذا النحو، فإن سوق التجارة الإلكترونية بما تحويه من فرصة هائلة، ستكون أيضا سوقا خطرة وتشبه إلى حد ما الأسواق السوداء وقد تنتقل ظواهر الاقتصاد الحقيقي إلى الاقتصاد الافتراضي، ومن ذلك التستر وغسل الأموال والأسواق السوداء، خاصة مع ظهور ما أصبح يسمى الإنترنت العميق. ذلك أنه يمكن ممارسة الجريمة الاقتصادية دون الخوف من سطوة العدالة. ومع تنامي مثل هذه الظواهر الخطرة، فإن التجارة الإلكترونية في المملكة قد تنهار ومن الصعب العودة بعد ذلك إلى المسار، لهذا تأتي أهمية نظام التجارة الإلكترونية من حيث توفير بيئة استثمارية جاذبة في الأسواق الإلكترونية وأيضا حماية المستهلك من الضرر.
لقد تبين من تصريحات مساعد رئيس مجلس الشورى عقب الجلسة أن المجلس اتخذ قراره عملا بالمادة الـ"17" من نظامه، وهي المادة التي يتم من خلالها التشاور بين مجلسي الوزراء والشورى بشأن أي نظام لم يتم الاتفاق عليه بشكل نهائي، وكان اتجاه مجلس الشورى في هذا الشأن عن صدور النظام قبل عدة أشهر هو الوصول إلى أعلى حد من الضمانات لكل المتعاملين في السوق الإلكترونية، وهو الحد الذي قد يخل بكثير من الاتفاقيات الدولية التي وقعت المملكة عليها، فالحمائية المبالغ فيها تؤثر في التنافسية أيضا، كما أنها تغلق الطريق على التجارة الإلكترونية العالمية من ممارسة أنشطتها في المملكة، فالنظام يوفر حدا أدنى من الحماية مع منح مجال للفرصة الاستثمارية الجيدة للدخول، كما أن من الهم أن يكون النظام متكاملا وواضحا ولا مجال فيه للتفسيرات المتعددة، حيث إن المملكة تتجه اليوم إلى فتح الأسواق للاستثمارات الأجنبية والتجارة الإلكترونية، حيث أصبحت ذراعا تجارية واستثمارية لهذه الأموال التي تريد أنظمة واضحة يمكنها التعامل معها بشكل مباشر دون قلق من تعدد التفسيرات أو تغيرها مع الزمن، لهذا فإن الحماية التي يوفرها النظام هي بقدر لا يخل بالمعطيات الأخرى المهمة.

إنشرها