FINANCIAL TIMES

طلب تصفير انبعاثات الكربون غاية صعبة المنال



عندما كنت أود شراء شقة في لندن منذ أكثر من عقد، كانت الشقق الوحيدة التي يمكنني شراؤها، إما أن تكون على طريق صاخب أو صغيرة الحجم. فكان خياري أن ذهبت إلى إحدى الشقق الصغيرة.
يعد منزلي أصغر مكان عشت فيه على الإطلاق. حينما أعمد إلى تحميص الخبز في المطبخ، تبقى رائحته عالقة لساعات في الحمام.
حينما أشغل التلفزيون في غرفة المعيشة، لا تفوتني أي كلمة لو تصادف وإن كنت في غرفة النوم.
بعد وقت قصير من انتقالي إلى ذلك المسكن الصغير، قابلت مختصا في الطاقة الخضراء قال لي إنني ربما اتخذت القرار الخطأ.
وقال إنه بمجرد أن تصبح سيارات وحافلات المدينة عاملة بالكهرباء، ستتحول تلك المنازل الكبيرة في الشوارع المزدحمة، إلى صفقة هائلة.
عندما تسيرين في الخارج، ستكون الطرق هادئة فعليا. كل ما سوف تسمعينه سيكون تغريد الطيور وأنفاس المهرولين المتسارعة. وسيكون الهواء الذي تتنفسه أنظف إلى أبعد حد.
لقد كان محقا. مع ذلك، فقد استغرق الأمر طويلا بالنسبة إلي، لكي أصدق أن المستقبل الأنظف والأكثر خضرة الذي وصفه، قد يصبح حقيقة واقعة.
عندما بدأت في إعداد تقارير حول التغير المناخي لهذه الصحيفة في عام 2011، كان من المستحيل تخيل الوثيقة التي أصدرها مستشارو المناخ الرسميون للحكومة، أخيرا.
يقول تقرير من لجنة التغير المناخي، إنه على بريطانيا، ألا تكتفي بخفض انبعاثات غازات الدفيئة إلى الصفر، بحلول عام 2050.
كما يدعو التقرير الحكومة إلى إحداث ولو ثورة بسيطة حول كيفية تعاملنا مع قضايا تراوح بين تناول الطعام وبين الطيران حتى تدفئة منازلنا.
إحدى أهم النقاط الواردة في التقرير هي أنه لم يعد بإمكاننا خفض الانبعاثات بطرق نلاحظها بالكاد، مثل إمدادات الكهرباء الأكثر مراعاة للبيئة، على الرغم من أنها قد ساعدت على خفض الانبعاثات بنحو 42 في المائة مقارنة بمستوياتها في عام 1990.
أكثر من 60 في المائة من مستهدف خفض الانبعاثات التي تتوقعها اللجنة، يتطلب درجة من التغيير يصعب على أي منا تجاهلها.
شخصيا، لست قلقا إزاء التحدي المتمثل في ضبط جهاز منظم الحرارة عند درجة حرارة 19 مئوية، أو شراء مصابيح لد LED.
ربما تتماشى نسبة 20 في المائة الموصى بها لخفض استهلاك لحوم الضأن والأبقار ومنتجات الألبان، مع ما يجب أن أتناوله على أي حال.
بصفتي ابنة مزارع لحوم أبقار، أشك في أن الفكرة ستحظى بشعبية عالمية في الريف.
على صعيد آخر، فإن نصيحة زراعة نحو 30 ألف هكتار من الأشجار سنويا لامتصاص انبعاثات الكربون، التي تبلغ نحو ثلاثة أضعاف المعدلات الحالية، قد تثبت أنها مدمرة أيضا.
قد يتم تحرير الأراضي من خلال خفض استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان، بيد أن الحاجة ستظل قائمة لأجل أن تعيد الحكومة التفكير فيما يتعلق بالدعم الزراعي.
ثم هناك غلاية الغاز التي جاءت مع شقتي. يجب أن تصبح ديناصورا، ولكن كيف؟ اليوم، يتم بيع أكثر من مليون من هذه الغلايات كل عام، مقارنة بـ20 ألفا من المضخات الحرارية الكهربائية الأكثر مراعاة للبيئة، وهي التي يمكن أن تحل محلها.
تكاليف هذه المضخات باهظة بالنسبة إلى عديد من العائلات في الوقت الحالي، حتى إن قلة منهم سمع عن هذه الآلة الصغيرة، كما أنه لا يوجد مكان قريب بما فيه الكفاية مؤهل لتركيبها.
لا عجب في أن تقول اللجنة، إن خطتها ستتطلب عملا منسقا على مستوى الحكومة بأكملها، وليس ضمن وزارة الخزانة والبيئة، فحسب.
ستندفع خطة وزارة النقل وحدها قدما إلى الأمام. تقول اللجنة، إنه يجب أن تكون جميع السيارات والشاحنات الصغيرة الجديدة عاملة بالكهرباء بحلول عام 2035، على الأكثر، بل ويفضل أن يكون ذلك بحلول عام 2030.
لحسن الحظ، كنت سأشتري سيارة كهربائية مستعملة اليوم، بيد أنه لا يمكنني إعادة شحنها في المنزل، فهناك شاحن عام واحد فقط على بعد عشر دقائق سيرا على الأقدام من شقتي.
فيما يتعلق بالطيران، تشير اللجنة إلى أنه قد يلزم زيادة أسعار تذاكر السفر عام 2035، ولكن ربما بنسبة أقل من المتوقع. أخبرني أحد معدي التقرير الأسبوع الماضي، أن السفر من لندن إلى نيويورك، قد يكلف في النهاية مبلغا إضافيا يراوح ما بين 20 و55 جنيها استرلينيا.
التحدي الأكثر إلحاحا الذي يشكله تحقيق هدف الانبعاثات الصافية الصفرية، هو الحاجة إلى جعل التحول إلى مصادر الطاقة الصديقة للبيئة، عادلا.
كدولة، قد يتم تعويض التكاليف الإضافية للتدفئة النظيفة، على سبيل المثال، عن طريق طاقة منخفضة الكربون وغير مكلفة وعبر السيارات الكهربائية. بالنسبة للأفراد، تلك قصة مختلفة.
فكر في عائلة حيث يركب أحد أفرادها غلايات الغاز، ويعمل الفرد الآخر في مصنع لصناعة سيارات تعمل بالبنزين، وآخر يعمل في إحدى منصات التنقيب عن النفط في بحر الشمال.
قد يتسبب التحول عن الوقود الأحفوري في فقدان 28 ألف وظيفة، في شركات التنقيب عن الفحم والغاز والنفط الكائنة في شمالي إنجلترا وحدها، بحلول عام 2030، وفقا للأبحاث الحديثة. من المحتمل أن تتأثر اسكتلندا أيضا، بل وأكثر، فهي موطن 7 في المائة من وظائف صناعة استخراج النفط والغاز.
لحسن الحظ، تلك الأماكن تعد أماكن رئيسة أيضا للصناعة الجديدة، لالتقاط وتخزين انبعاثات الكربون الصناعية التي تعتزم اللجنة اتخاذها.
كما ينبغي توفير الآلاف من الوظائف الأخرى في قطاعات البناء والطاقة المتجددة والتمويل النظيف.
إيجاد طريقة لتقاسم تكاليف التحول العميق اللازم للوصول إلى الحصول على هدف انبعاثات صافية صفرية، لن يكون بالأمر السهل.
ويبقى أن الخبر السار هو أن هذا التحول يمكن تنفيذه من الناحية التقنية، وأن الدعم الشعبي له آخذ في الزيادة.
الأمر متروك الآن لساستنا، لجعله ممكنا من الناحية السياسية أيضا.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES