FINANCIAL TIMES

تسريع وتيرة إنتاج العقاقير .. مستهدف شركة ناشئة

تبدأ دافني كولر بإطلاعي على شعار شركة إنستيرو الموجود على ملصق على هاتفها الذكي.
أستاذة الذكاء الاصطناعي التي تعمل في جامعة ستانفورد، تحولت إلى صاحبة مشاريع في مجال التكنولوجيا الحيوية، وتبدو متحمسة إزاء ما يرمز إليه هذا الشعار: دمج "عمليات المختبر" - عالم أنابيب الاختبار – مع "إن سيليكو" – من عالم رقائق الحاسوب.
للوهلة الأولى، الخيوط المجدولة تشبه الحمض النووي، إلا أن أحدها مكون من بكسلات رمادية اللون، والآخر مكون من خلايا دائرية خضراء اللون، تتجمع في جزيء واحد صغير.
وتقول كولر: "في نهاية المطاف ما نريد الحصول عليه هو الدواء".
مكاتب ومختبرات إنستيرو الجديدة الموجودة في حرم شركة فيريلي التابعة لشركة ألفابت، في جنوب سان فرانسيسكو، تبدو هادئة بشكل مخيف - تنتظر أن تملأ بخبراء وعلماء متخصصين في تعلم الآلة.
أطلقت كولر هذه الشركة الناشئة العام الماضي، ويعمل لديها الآن 25 موظفا.
في وجود تمويل يزيد على 100 مليون دولار مقدم من المستثمرين، بما في ذلك من أندريسين هورويتز، و "جي في"، ذراع رأس المال المغامر التابعة لشركة ألفابت، و"بيزوس إكسبيديشنز" التابعة لمؤسس شركة أمازون، وصفقة شراكة مع شركة جلياد للعلوم بقيمة تصل إلى 250 مليون دولارا، تعتزم توظيف مزيد من الموظفين.
كانت كولر أول موظف متخصص في تعلم الآلة يعمل في جامعة ستانفورد - قبل أن يصبح هذا التخصص مألوفا بفترة زمنية طويلة.
بعد انضمامها للكادر التدريسي الجامعي في عام 1995 ، بقيت هناك لفترة 18 عاما، حيث كانت تعمل على البيانات البيولوجية كلما أمكنها ذلك.
في عام 2012، تركت العمل في الجامعة لتشارك في تأسيس وإدارة "كورسيرا"، وهي منصة مفتوحة جماعية تقدم مساقات إلكترونية عبر الإنترنت.
وبعد أن عملت لمدة عام ونصف العام في "كاليكو"، وحدة التكنولوجيا الحيوية في شركة ألفابت، التي تركز على زيادة مدى العمر، قررت إطلاق منصة إنستيرو برسالة تتضمن تغيير طبيعة عملية اكتشاف الأدوية المكلفة التي تحتاج إلى وقت طويل.
تقول: "هل هنالك سبب في أن تستغرق عملية تطوير عقار ما فترة 15 عاما؟ لماذا تصل فرص النجاح، التي تعتمد على المرحلة التي يتم البدء عندها إلى نسبة 5 في المائة؟ أقصد أن أقول إنه يبدو وكأنه ينبغي علينا أن نكون قادرين على تحقيق نتائج أفضل من ذلك.
الوصول إلى الكمال أمر صعب، وبيولوجيا الإنسان صعبة، لكن هل يمكننا تحسين المرحلة التي وصلنا إليها؟ سيكون من المؤسف إخفاقنا في ذلك" على حد قولها.
في حين أن كثيرا من الشركات الناشئة الجديدة بل وشركات الأدوية الكبرى تتحدث عن استخدام الذكاء الاصطناعي، من أجل اكتشاف أنواع جديدة من العقاقير، تلتزم منصة إنستيرو بإنشاء مجموعة بيانات باستخدام مختبرات تعمل بالروبوت.
تقول كولر إن هنالك "عاصفة مثالية من إنتاج البيانات" في علوم الحياة تجعل من المجدي الاستثمار في إيجاد وإنتاج البيانات من الصفر، بدلا من "محاولة استغلال كميات كبيرة من البيانات المتبقية وتعديلها، لمحاولة جعلها مفيدة في تعلم الآلة".
"هنالك حاجة هائلة إلى تحديد ما يجب أن نسعى إليه من حيث العقاقير المستهدفة. ما الذي نعدله لنضمن الحصول على الأثر الصحيح، والمناسب على البيولوجيا البشرية؟ أعتقد أن معظم الأدوية تفشل في الوقت الحاضر، لأننا نسعى وراء أشياء من الواضح أنها غير ناجحة".
تشير كولر إلى قضية الفشل البارزة الذي منيت به أخيرا التجارب السريرية التي كانت تجريها شركة بيوجين، من أجل العثور على علاج لمرض الزهايمر، حيث انتقد كثيرون الشركة بسبب اتباعها نظرية حول المرض يعتقد في الأصل أنه تم دحضها.
في الوقت الذي تصبح فيه أسعار الأدوية قضية انتخابية لدى السياسيين في الولايات المتحدة، تعتقد كولر أيضا أن النهج الذي تتبناه يمكن أن يقلص التكاليف.
وتقول: "التكلفة ليست صفرا، لكنها لا تكاد تذكر مقارنة بتكلفة تجربة سريرية فاشلة".
شهدت كولر بنفسها تأثير السماح للخوارزميات بأن تسهم في اكتشاف ارتباطات عشوائية.
في جامعة ستانفورد، عملت مع طالب دكتوراة لاستخدام تعلم الآلة بهدف التنبؤ بإمكانية تكرار الإصابة بمرض السرطان.
من خلال الاستغناء عن كتاب "قواعد علم الأمراض"، توصلا إلى اكتشاف أن: حالة الأنسجة اللحمية أو الضامة التي تحيط بالسرطان مهمة جدا في عملية التشخيص. اليوم، يستفيد المرضى من العلاجات القوية المناعية للأورام.
حتى هذا الاكتشاف كان يستند إلى مجموعات من البيانات الصغيرة، مع مئات من نقاط البيانات.
خبراء تعلم الآلة يشعرن بالانجذاب من مجموعات البيانات الأكبر حجما، في الوقت الذي انتشرت فيه الصور عبر الإنترنت ومعالجة اللغة، حيث يستخدم مزيد من الناس مواقع الترجمة الإلكترونية.
كولر شعرت بالإغراء نحو مهمة مختلفة جدا: رسالة التعليم.
وتقول: "قلت في نفسي إني بهذه الطريقة يمكنني تلمس عقول من كنت أرى في ذلك الوقت أنهم سيكونون مئات الآلاف من الناس، وتبين لي أنهم ملايين الناس، في إطار زمني قصير نسبيا. الحياة كلها تدور حول المقايضات. لحسن الحظ، أتيحت لي فرصة الحصول على فرصة ثانية، والعودة مرة أخرى إلى علم الحياة المبني على البيانات اليوم. بصراحة، هذا وقت أفضل بكثير للبدء في إطلاق هذه الشركة".
تعلمت كولر من خلال منصة كورسيرا كيف تطلق الشركة والكثير عن العالم الذي يقع خارج إطار الأوساط الأكاديمية.
وتقول: "تبدو شركة إنستيرو وكأنها أكثر تنظيما بكثير وأقل اندفاعا. أنا لا أقول إنني أتمتع بسيطرة كاملة على كل شيء، إذ لا يمكن لأي أحد السيطرة على كل شيء بالكامل، لكن على الأقل أعلم ما يلزم القيام به".
وتقول إنه بالنسبة لشركة إنستيرو، سيكون إيجاد علاقة شراكة متكافئة بين علوم الحياة وعلوم الحاسوب "أمرا حاسما ومهما" لتحقق النجاح.
من الناحية التقليدية كان العثور على عقاقير وأدوية جديدة من اختصاص قطاع الصيدلة والتكنولوجيا الحيوية، فلم لا تتبنى الشركات نهج منصة إنستيرو؟ تعتقد السيدة أن لديهم طريقة تفكير "مختلفة تماما" في مجال البيانات.
يعتقد قطاع الأدوية أن البيانات تمثل "منتجا ثانويا"، وتعتقد أن منصة إنستيرو لها "أصول تأسيسية" تخفض من فرص التعرض للفشل.
تريد منصة إنستيرو أن تكون شركة لتطوير الأدوية، وليس جهة تزود قطاع الصيدلة بالخدمات، بحيث تتمكن في نهاية المطاف من تصنيع الأدوية.
مثل كثير من شركات التكنولوجيا الحيوية الأخرى، ستقيم شراكة مع قطاع الأدوية من أجل إنتاج بعض العقاقير.
وقعت الشركة عقد شراكتها الأولى في نيسان (أبريل) الماضي، بعد أن عملت مع شركة جلياد لاكتشاف أدوية جديدة لعلاج مرض ناش، وهو شكل حاد من مرض الكبد الدهنية.
تقول كولر إنهم اختاروا العمل مع شركة جلياد لأنها تملك بيانات المهمة الناتجة عن تجارب سريرية كبرى أجريت أخيرا، التي تستطيع الأساليب المتبعة في منصة إنستيرو للذكاء الاصطناعي استخدامها للبحث عن طرق جديدة لتفهم المرض، وأدوية جديدة أو تراكيب من الأدوية لعلاجه.
وهي تتحدث عن بداية ما تعتقد أنه "العصر المقبل من العلم". حققت كل حقبة زمنية مجموعة من الفتوحات العلمية: الكيمياء في القرن التاسع عشر، والفيزياء في القرن العشرين، وعلوم الحاسوب في الخمسينيات.
وتقول إنه في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي ظهر اثنان من التخصصات بالتوازي: البيولوجيا الكمية - القدرة على قياس الحياة بدقة، وتعلم الآلة.
وتقول: "في الوقت الحاضر، نرى أن هذين الخيطين يقترنان معا، لابتكار قدرات جديدة تساعد على التأثير ليس في الصحة البشرية فحسب، بل أيضا في البيئة والتصنيع البيولوجي، وليس في مجال الأدوية كذلك فحسب، بل وكذلك في تحسين الزراعة والوقود الحيوي، والقدرة على إيجاد نباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو، وتساعد على تطهير كوكبنا. كل ذلك بسبب العلاقة بين قياس البيولوجيا، وتفسير البيانات وهندسة علم الأحياء".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES