الاتجاه التنموي الجديد .. في الإنفاق

|


لم تتوقف المملكة عن زيادة الإنفاق العام منذ إطلاقها "رؤية 2030". فهذه الأخيرة تتضمن مشاريع ومبادرات وقطاعات كبيرة متنوعة تتطلب إنفاقا يلائمها، ويوفر لها الأداة الأهم لاستكمال تنفيذها. وهذه المشاريع التنموية تشكل الاستراتيجية الاقتصادية الشاملة للسعودية. تلك الاستراتيجية التي جذبت اهتمام العالم، ليس فقط من جهة نجاعتها وضرورتها، بل من ناحية المشاركة الدولية فيها في مختلف الميادين. ولذلك وجدنا (مثلا) ارتفاعا في حجم الاستثمارات الأجنبية، وزيادة في الحراك المصرفي الأجنبي، ناهيك عن الدور الذي أحدثته "الرؤية" للقطاع الخاص، وهو دور محوري صحي. وهذا الأخير يمثل أيضا حجر الزاوية في الاستراتيجية العامة المشار إليها. هناك محاور عديدة لاستكمال تنفيذ "رؤية المملكة" بما فيها الإنفاق الواجب في الوقت المناسب.
ومن هنا يمكننا فهم ما قاله وزير المالية محمد الجدعان، بشأن زيادة الصرف على المشاريع التنموية. وفي الواقع كل مشاريع "الرؤية" تنموية، وتدخل في نسيج البناء الاقتصادي الجديد. فالقيادة السعودية لا تقوم عمليا بإصلاحات اقتصادية بقدر قيامها ببناء اقتصاد جديد يوائم مكانتها وقوتها ومعطياتها، والأهم يتناسب مع استحقاقات المستقبل بكل ما فيه من متغيرات وتطورات وحتى مفاجآت. والبلاد قادرة على زيادة الإنفاق متى كان ذلك ضروريا. فالسعودية التي أبقت وكالات التصنيف على مستواها الائتماني عند A+ من أقل الدول ديْنا ضمن قائمة مجموعة العشرين. كما أن الإنفاق الذي ترفعه عندما تستدعي الضرورة ذلك تدعمه زيادة متواصلة في حجم الاستثمارات الأجنبية. وهذه الأخيرة تستند إلى مجموعة من المعايير، من بينها سمعة ومكانة البلاد الائتمانية، فضلا عن أهمية الاستراتيجية الاقتصادية التي تنفذ على الساحة الوطنية.
الإنفاق التنموي المتزايد تصاحبه سلسلة من المؤشرات الإيجابية التي قلما تجدها حتى في البلدان المتقدمة اقتصاديا. بما في ذلك انخفاض الدين العام، والسيطرة على العجز في الموازنات، واستمرار كل المشاريع المطروحة وطرح أخرى. ولذلك يمكن النظر إلى الاستراتيجية الاقتصادية الراهنة "ورشة" تنموية كبرى تؤسس لبناء اقتصاد جديد قائم على الاستدامة والتنوع في الموارد. وشهدنا في العامين الماضيين "على سبيل المثال" الارتفاع اللافت لمساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي السعودي. وهذه المساهمة تزداد كل عام، ما يعزز مكانة المملكة على صعيد التصنيف الائتماني والتقييمات العالمية المشابهة. إلا أن مرحلة البناء بشكل عام تحتاج إلى الإنفاق المتزايد أيضا الذي أشار إليه وزير المالية.
لا خوف على العجز في الميزانية في المملكة. فهو الأقل "كما أشرنا" بين البلدان المتقدمة، وعملية تغطية العجز ليست صعبة على الساحة السعودية، فهي ستتم من خلال الاقتراض، والسحب من الاحتياطي. أي أنه لا مشكلة في هذا المجال، خصوصا أن الإنفاق المتزايد لا يتوجه للاستهلاك بل يصب في البناء الاقتصادي الذي بات منذ أعوام الهدف الأهم في المملكة. فكل إنجاز على صعيد "رؤية المملكة 2030" هو في الواقع خطوة إلى الأمام للوصول إلى الاقتصاد الوطني المنشود. فما كان سائدا على الصعيد الاقتصادي سابقا، لا يتوافق مع الحراك السعودي الكبير على الساحة المحلية. إن القيادة تبني الاقتصاد للأجيال القادمة، مثلما تبنيه لمواطنيها الذين يستحقون الأفضل، وفق قناعاتها وتصميمها.

إنشرها