التمويل العقاري من دون ضرر الاقتصاد الوطني

|

تسارع ضخ التمويل العقاري في يد الأفراد خلال الأشهر القليلة الماضية، ليسجل أعلى معدل نمو سنوي منذ الربع الأول 2015، حيث يقدر أن يتجاوز معدل 23 في المائة بنهاية الربع الأول من العام الجاري، وأن يتجاوز حجم القروض العقارية الممنوحة للأفراد سقف 170 مليار ريال للفترة نفسها. كما ارتفعت أعداد المقترضين لتلك القروض العقارية إلى نحو 250 ألف مقترض، أي بنمو سنوي وصل إلى 41.0 في المائة، وكل هذا جاء تحت مظلة تسهيل وتسريع إجراءات منح مزيد من القروض العقارية للأفراد، سعيا إلى زيادة معدلات تملك المساكن محليا، وهي الوتيرة المتزايد زخمها فترة بعد أخرى، ويتوقع أن تتصاعد خلال السنوات القليلة المقبلة، وصولا إلى الأهداف النهائية المتمثلة في رفع ملكية المساكن لدى أفراد المجتمع خلال السنوات المقبلة.
كل سياسة أو إجراءات تتخذ في مجال معين من الاقتصاد، ستكون لها انعكاسات أو آثار لدى بقية قطاعات ونشاطات الاقتصاد الوطني، ولا يمكن فصل حيثيات أي سياسة اقتصادية في مجال بعينه عن بقية المجالات الأخرى، فعلم الاقتصاد هو دراسة وتحليل العلاقة بين المتغيرات الكامنة فيه، ولا مجال لتجاهل آثار ما قد يطرأ على متغير ما من تطورات على بقية متغيرات الاقتصاد.
هذه الوتيرة المتسارعة جدا لضخ القروض العقارية، المتوقع زيادتها مستقبلا، تعني في جانب بارز منها حلولا جاهزة وسريعة الأثر في جانب زيادة تملك المساكن لدى الأفراد، وتعني أيضا حدوث تطورات بالغة الأهمية في جوانب أخرى من الاقتصاد الوطني، وعلى مستوى حياة أفراد المجتمع، لا بد من أخذها في الحسبان، والاهتمام بها على القدر ذاته الذي حظيت به جوانب برامج زيادة معدلات تملك المساكن لدى الأفراد، وهو الأمر الجيد جدا أن تتم مناقشته ونحن في بداية طريق مختصر زمنيا قد لا يتجاوز ثلاث إلى أربع سنوات مقبلة، والعمل منذ اللحظة على استدراك أي مخاطر قد تنشأ تجاه أي متغير من متغيرات الاقتصاد الوطني، أو تجاه مؤشرات استقرار المجتمع السعودي.
إننا ونحن نتحدث عن مشروع تنموي وحيوي كحل مشكلة صعوبة تملك المساكن بالنسبة إلى الأفراد، لا يمكن أن نسلم جدلا بأن السبب الرئيس وراء نشوء هذه المشكلة، هو "نقص التمويل" فقط! بل يسبق هذا السبب الظاهري سبب أقوى وأكبر؛ المتمثل في زيادة غلاء أسعار الأراضي والمساكن محليا، الذي نتج بدرجة كبيرة جدا عن تفاقم أشكال من التشوهات في السوق العقارية المحلية، لعل من أبرزها وأكبرها زيادة أشكال احتكار الأراضي بمساحات شاسعة في المدن الرئيسة، وفي أغلب المدن الأقل مساحة، ويضاف إليه اتساع أشكال المضاربة على الأراضي، ما أدى في فترات زمنية سابقة إلى حدوث زيادة مفرطة في مستويات الأسعار السوقية للأراضي وللعقارات، وانتقال آثاره إلى زيادة تكلفة الإيجارات السكنية والتجارية على حد سواء، ووصولها إلى مستويات قياسية فاقت قدرة الدخل لدى كثير من أفراد المجتمع، وفاقت أيضا حتى قدرتهم الائتمانية، ومن هنا نشأت الفكرة المشوشة "نقص التمويل" وهو الأمر غير الدقيق على الإطلاق.
لهذا نشأت الحاجة إلى إقرار حلول شاملة تتولى معالجة هذه الجوانب بصورة متكاملة، جزء اتجه صوب المعالجة الجذرية لأشكال تشوهات سوق العقار، وهو الذي حمله إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي كان مفترضا أن يسهم تنفيذه الدقيق والجاد في انخفاض تضخم الأسعار بشكل ملموس ومفيد للاقتصاد والمجتمع. وجزء آخر اتجه صوب تسهيل عمليات التمويل، وهو الجزء الأسهل تنفيذا، والجزء الذي كان يمكن أن يحل بجهود وتكلفة أدنى لو تحقق التقدم المأمول للجزء الأول ممثلا في تسريع تنفيذ نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، إلا أن هذا لم يحدث.
يتجه التمويل أو الإقراض العقاري بوضعه الراهن، الذي يستقطع مستويات عالية من الدخل الشهري للمقترض "50 في المائة إلى 65 في المائة"، وفي ظل عودة أسعار الأراضي والوحدات السكنية إلى الارتفاع مرة أخرى، أؤكد أنه يتجه بنا جميعا نحو مواقع من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تستحق الاهتمام الأقصى وبذل كثير من جهود الدراسة والبحث. ذلك أنه سيؤدي بنا إلى ارتفاع حجم القروض العقارية بصورة قياسية خلال فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز ثلاث إلى أربع سنوات، سيقف إجمالي قيمتها في نهاية تلك الفترة فوق سطح التريليون ريال! وسيتحول تقريبا نصف القوى العاملة الوطنية إلى مقترضين لقروض طويلة الأجل، تمتد إلى 20 عاما مقبلة وقد تصل أحيانا لدى بعض شرائح الأفراد إلى 25 عاما مقبلة.
إننا ونحن نتحدث عن تلك الشرائح الكبيرة من الأفراد، التي سيتم استقطاع نصف دخلها الشهري فأعلى لعقدين ونصف من الزمن، فالأمر هنا يتعلق بما سيتعرض له الإنفاق الاستهلاكي الخاص، الذي يمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، الذي يمثل القناة الأهم للتدفقات النقدية الداخلة على جميع منشآت القطاع الخاص، ويمثل المصدر الأهم لإيراداتها، ما يعني بالضرورة أن أي انكماش في تلك التدفقات ستكون له انعكاسات جسيمة على استقرار تلك المنشآت، ما قد يضطرها إلى تقليص نشاطاتها وتقليص توظيف العمالة لديها، وسيتحول الأمر إلى منعطف أشد مخاطر؛ إن لجأت تلك المنشآت إلى انهاء عقود شرائح واسعة من العمالة الوطنية لديها، وكلا الأثرين يحمل معه كثيرا من التحديات الجسيمة على كاهل الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.
فحينما تضعف قدرة القطاع الخاص على التوظيف، نتيجة لتقلص تدفقاته النقدية الداخلة، فهذا سيؤدي إلى زيادة مطردة في معدل البطالة، ويزداد الأمر تكلفة إذا ما لجأت منشآت القطاع الخاص نفسها إلى تقليص أعداد العمالة الوطنية لديها، ما سيؤدي من جانب إلى زيادة معدل البطالة وأعداد العاطلين، ومن جانب آخر سيؤدي ذلك في حال كان من أولئك الذين تم إنهاء عقودهم من العمالة الوطنية من يتحمل أعباء قروض عقارية! إذ يعني ذلك زيادة انكشاف القطاع التمويلي أمام حالات واسعة من التعثر عن السداد، وهذا منعطف يجب تجنبه منذ اللحظة بأي حال من الأحوال. إنها ملفات بالغة الأهمية يجب أن تحظى بالاهتمام اللازم والكافي، الذي يستهدف حماية مقدرات البلاد والعباد، ويستوجب بذل الاهتمام والعناية الكافيين، وللحديث تتمة. والله ولي التوفيق.

إنشرها