الخدمات تحول الواردات إلى منتجات محلية

|


نمت التجارة العالمية في السلع والخدمات بمعدلات جيدة بعد الحرب العالمية الثانية. ورفع النمو الاقتصادي في مختلف دول العالم الطلب على الواردات، كما حفز تغير الفلسفة الاقتصادية ومحادثات واتفاقيات تحرير التجارة العالمية الثنائية والإقليمية ومتعددة الأطراف نمو التبادل التجاري العالمي. شجع الانفتاح التجاري العالمي ولادة وتكاثر سلاسل الإنتاج العالمية، وانتشرت مراحل إنتاج السلع والخدمات بين مختلف دول العالم، ما رفع الكفاءة والتخصص في إنتاج السلع والخدمات، ومكن في الوقت نفسه الشركات متعددة الجنسيات من التوسع والانتشار وتحقيق معدلات نمو غير مسبوقة. وقد أسهمت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المتزايدة وانفتاح الأسواق عليها في تطور ونمو قطاع الخدمات الذي عزز سرعة التحولات الاقتصادية العالمية. ونتيجة لهذه التحولات أصبحت المنتجات تشهد مراحل إنتاج متعددة في دول مختلفة حتى صار من الصعب تحديد بلد إنتاج كثير من السلع، فأجزاء منها تصنع في بلد وتجمع في بلد آخر وتستخدم مكونات دول أخرى.
كان لتحرير أنظمة الاستيراد وتدفقات الاستثمارات دور كبير في التحولات الاقتصادية والتجارية العالمية، حيث أدركت دول العالم أهمية تحرير أنظمة الاستيراد والاستثمار من أجل تحفيز النمو. ويزيد تحرير التجارة والاستثمار قوى المنافسة المحلية والعالمية، ويسهم في نقل التقنية، ويشجع على تحقيق كفاءة استخدام الموارد وزيادة الإبداع وخفض التكاليف. وتدخل الواردات في إنتاج معظم السلع والخدمات، ما يجعل من توافرها بأقل الأسعار وبنوعيات جيدة مطلبا أساسيا لمساعدة المنتجين المحليين على النمو والمنافسة العالمية. ومن اللافت للنظر أن تطور قطاع الخدمات ساعد في تحويل معظم الواردات إلى منتجات محلية حسب تعريف أنظمة الصناعات الوطنية في معظم البلدان.
تعرف الصناعت الوطنية باحتوائها على نسبة معينة من القيمة المضافة داخل حدود جغرافية معينة. وتختلف هذه النسبة من بلد إلى آخر حيث قد تكون منخفضة بحدود 30 في المائة مثلا في بلد ما وقد ترتفع إلى 60 في المائة أو حتى 70 في المائة في منتجات معينة وبلدان أخرى. ولو نظرنا إلى الواردات السلعية بشكل عام فإن أسعارها عند بوابات الاستيراد أقل بكثير من أسعارها النهائية التي يدفعها المستهلك في البلد المستورد. ولنأخذ مثلا مصابيح الإضاءة الموفرة للطاقة، حيث يفيد بعض المستوردين أن أسعار شرائها من المصانع في الصين يبلغ نحو ريالين للمصباح الواحد. بعد ذلك تضاف إليها تكاليف النقل والتأمين والتمويل وخدمات الموانئ ورسوم الاستيراد، ما يرفع تكاليفها إلى نحو ثلاثة ريالات للمصباح الواحد أو أقل من ذلك بقليل. يبيع المستورد هذه المصابيح إلى وسيط ويضيف نحو ريالين للمصباح، ما يرفع سعرها إلى ما يقارب خمسة ريالات. قد تباع بعد ذلك إلى وسيط آخر أو إلى منافذ التجزئة النهائية التي تبيعها بسعرها النهائي الذي يصل إلى عشرة ريالات في المتوسط. وهذا يعني أن نحو 80 في المائة من القيمة المضافة إلى السعر النهائي لهذه السلعة عبارة عن خدمات معظمها حدث في البلد المستورد. في هذه الحالة قد تصل القيمة المضافة محليا للسلعة المستوردة إلى ما لا يقل عن 70 في المائة من قيمتها النهائية، ما يؤهلها لتكون سلعة وطنية حسب تعريف المحتوى المحلي في معظم دول العالم.
قد ترتفع نسبة القيمة المضافة محليا في طيف واسع من الواردات إلى 70 في المائة أو حتى 80 في المائة من سعرها النهائي، وقد تنخفض إلى أقل من ذلك لكنها لن تقل في معظم السلع عن 30 في المائة إلى 40 في المائة، بما في ذلك واردات المعدات الثقيلة ومعدات النقل وأهمها السيارات. طبعا القيمة المضافة محليا ليست كلها أرباحا حيث هناك تكاليف تضاف إلى أي سلعة، ومن أبرزها تكاليف النقل والإيجارات والتسويق والإعلان والطاقة وخدمات الضمان والإصلاح وأجور العمالة. من جهة أخرى فإن ارتفاع أهمية القيمة المضافة محليا يخفض أهمية تغيرات أسعار الاستيراد الناتج عن التضخم في الدول المصدرة أو تقلبات العملة. في المقابل ترفع زيادة نسبة المحتوى المحلي مساهمة المتغيرات المحلية في أسعار السلع المستوردة. ويأتي ارتفاع الطلب المحلي، وزيادة تكاليف المدخلات المحلية كالوقود والإيجارات وأسعار الطاقة والأجور والرسوم والضرائب كأبرز تلك المتغيرات. لهذا فإن ادعاءات زيادة تكاليف الواردات التي يتبناه بعض المستوردين لرفع أسعار السلع مبالغ فيه وهو في كثير من الأحيان مجرد تبرير لزيادة الأسعار من قبل مزودي السلعة لاستغلال حالة زيادة الطلب على الواردات.

إنشرها