FINANCIAL TIMES

من يحكم بريطانيا؟ برلمان مهيمن على الحكومة

في الـ29 من آب (أغسطس) 2013، كانت الغواصة البريطانية إتش إم إس تايرلس HMS Tireless في مكان ما في البحر الأبيض المتوسط، في وضع استعداد لخوض معركة. على غير العادة، على أنه على غير العادة، كان قادتها يراقبون مجلس العموم.
كان أعضاء البرلمان يناقشون ما إذا كان ينبغي السماح بتسديد ضربات ضد نظام بشار الأسد. من خلال تتبع الأحداث في البرلمان عبر موقع شبكة بي بي سي، أدرك قادة الغواصة، قبل صدور أي أمر، وثبت لهم أنهم لن يطلقوا صواريخ كروز.
النقاش بشأن سورية، كان المرة الأولى منذ حرب الاستقلال الأمريكية الذي تخسر فيه الحكومة البريطانية التصويت لاتخاذ إجراء عسكري.
إدراكاً منهم لقلة التدقيق الذي تم تطبيقه في مخطط توني بلير لغزو العراق في عام 2003، كان كثير من أعضاء البرلمان يُريدون تجنب الخطأ نفسه.
البعض لم يرغب في منع تسديد الضربات على سورية تماماً، لإجبار ديفيد كاميرون على مراجعة خطته. بدلاً من ذلك، لم يمنعوا بريطانيا دون قصد من خوض حرب: بل تسببوا أيضاً بتخلي باراك أوباما عن خطط الولايات المتحدة لقصف سورية، ما ترك نظام الأسد حراً في ارتكاب مزيد من الفظائع.
أحداث آب (أغسطس) من عام 2013 وضعت الأزمة الحالية في المنظور المناسب. قبل فترة طويلة من "بريكست"، كان أعضاء البرلمان قد بدأوا في استعادة السيطرة. قبل فترة طويلة من "بريكست"، كانوا قد علموا أنها ليست مهمة بسيطة.
لذلك على الرغم من كل الادعاءات والمبالغة، يُمكن القول إن التصويت هذا الأسبوع لرفض صفقة تيريزا ماي بشأن "بريكست"، وتمديد محادثات "بريكست" إلى ما بعد الموعد النهائي في الـ29 من آذار (مارس) الماضي، لم تكُن أكثر القرارات العجيبة التي اتخذها مجلس العموم في العقد الماضي، أو حتى أكثرها دلالة على الحيرة. كذلك الأعوام الثلاثة الماضية لم تكُن أكثر الأوقات تعاسة في ذاكرة وستمنستر الحية. تلك الجائزة تذهب إلى فضيحة نفقات أعضاء البرلمان في عامي 2009-2010.
ما يجعل أزمة "بريكست" فريدة من نوعها هو الفوضى الدستورية التي اتسمت بها. لم يحدث قط في الآونة الأخيرة أن كانت أجزاء كثيرة من النظام البريطاني عرضة للإجهاد بمثل هذه الفترة الطويلة. أزمة السويس عام 1956 انتهت في غضون شهر؛ أما الأزمة الحالية فهي مستمرة لمدة عامين ونصف العام من حرب الخنادق البرلمانية.
اجتماعات مجلس الوزراء تسرّبت، والانضباط الحزبي تفكك، وأعيدت كتابة الاتفاقيات البرلمانية. يقول ستيورات وود، عضو البرلمان من حزب العمال، إنه إذا أزلنا الفوضى والمهزلة، فإن عملية البريكست "أظهرت أن دستورنا غير المكتوب معطوب بشكل أساس".
العطب لم يبدأ حيث قد يتوقع المرء –بين مجلس العموم ومجلس اللوردات، أو بين السلطة التنفيذية والتشريعية، أو حتى بين السلطة التنفيذية والقضائية-. بل بدأ مع البرلمان مقابل الشعب. يقول اللورد وود: "عندما يكون لديك استفتاء في ديمقراطية برلمانية، فلا يعرف أعضاء البرلمان ماذا يجب أن يفعلوا – لأنهم لا يعرفون ما هي وظيفتهم".
الاستفتاءات لم يكُن لها قط مكان يذكر في الدستور البريطاني. إنها اعتراف بأن شرعية الحكومات والبرلمانات لديها نطاق محدود فقط: بعض القضايا، المتعلقة بالهوية الوطنية أو المعايير الثقافية، لا تتناسب مع المقياس اليساري-اليميني الذي يحكم انتخاباتنا.
كليمنت أتلي وصفها بأنها "غريبة على كل تقاليدنا". ربما يكون ذلك دلالة على رؤية مثالية للبرلمان كمكان لا يتم فيه تمثيل وجهات النظر فقط، بل تشكيلها.
كما قال إدموند بيرك لناخبيه عام 1774، "البرلمان ليس مؤتمراً للسفراء من مصالح مختلفة وعدائية ... البرلمان مجمع تداولي لأمة واحدة، ذات مصلحة واحدة، وهي المصلحة العامة".
أيّاً كان السبب، قبل "بريكست" تم عقد استفتاءين على مستوى المملكة المتحدة – الأول في عام 1975 على عضوية الجماعة الأوروبية، والثاني في عام 2011 على تغيير نظام التصويت لأعضاء البرلمان. في الحالتين، اتفق أعضاء البرلمان والناخبون.
كان استفتاء "بريكست" هو المرة الأولى التي يصوّت فيها الناخبون في بريطانيا على نتيجة اختلف معها أعضاء البرلمان. نحو 52 في المائة من الناخبين البريطانيين دعموا المغادرة، فيما صوّت 75 في المائة من أعضاء البرلمان اليوم للبقاء.
هذا كان نصف المشكلة. النصف الآخر هو أن أغلب الـ25 في المائة من أعضاء البرلمان الذين صوّتوا للمغادرة لا يتفقون مع الطريقة التي فسّرت فيها الحكومة (بقيادة نشطاء حملة البقاء السابقين) التصويت. وهكذا أصبحت الديمقراطية البرلمانية والديمقراطية المباشرة غير متوافقتين.
أحد الطرق للخروج من هذا هو الطلب من الشعب إعادة التفكير أو قبول شروط منقحة. حدث ذلك في إيرلندا عام 2008، بشأن معاهدة لشبونة، وفي اليونان عام 2015، بشأن خطة إنقاذ من الاتحاد الأوروبي، وفي كولومبيا عام 2016، حول اتفاقية سلام مع عصابة فارك.
في حزيران (يونيو) من عام 2016، لم يكُن بإمكان أي شخص أن يُصبح زعيم حزب المحافظين من خلال مثل هذا التعهد (لنسأل جيرمي هانت: فقد حاول). بدلاً من ذلك، الانقسام بين البرلمان والشعب تحوّل إلى طريق مسدود بين البرلمان والسلطة التنفيذية. قبل خسائر هذ الأسبوع، كانت حكومة ماي في الأصل قد سجّلت أسوأ هزيمة في مجلس العموم على الإطلاق حول صفقتها بشأن "بريكست". في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أصبحت أيضاً أول حكومة اعتُبِرت أنها تحتقر البرلمان، بسبب رفضها المبدئي لنشر رأي قانوني بشأن صفقة "بريكست" التي قدمتها.
يُمكنك العثور على مزيد من المواجهات بين أعضاء السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية –دونالد ترمب والكونجرس الأمريكي، أو نيكولاس مادورو والجمعية الوطنية الفنزويلية.
النظام البرلماني في بريطانيا لم يكُن من المفترض أن يعمل بهذه الطريقة. السلطة التنفيذية بحكم التعريف، تُسيطر على مجلس النواب. يتمتع البرلمان دائماً بالسيادة بالطريقة نفسها التي فيها الزبون دائماً على حق – أي من حيث المبدأ. السلطة الحقيقية تكمُن مع الحزب الحاكم.
في الاختبار الأكثر شهرة لسلطته –الحرب الأهلية الإنجليزية للأعوام 1642-1651– كان البرلمان هو الفائز الواضح. هذه المرة، ربما تكون سمعته قد أصيبت بضرر دائم.
تهديدات الموت ضد أعضاء البرلمان هي القاعدة الآن. حتى خارج الجماعة المتطرفة، هناك حيرة. بعد أن رفض أعضاء البرلمان صفقة السيدة ماي، دعا اتحاد الصناعة البريطانية البرلمان "لوقف هذا السيرك"؛ الصفحة الأولى من صحيفة ديلي ميل نددت "بمجلس الحمقى".
عندما سُئل الناخبون ما إذا كان البرلمان سيخرج من "بريكست" بصورة جيدة، قال 6 في المائة فقط نعم. هذا يجعل شعبية الكونجرس الأمريكي تبدو جيدة. أعضاء البرلمان من حزب المحافظين المناهضين للتكامل الأوروبي، الذين كانوا فيما مضى أبطال السيادة البرلمانية، طالبوا شبه مازحين أن يتم تعليق مجلس العموم لمنع عرقلة "بريكست" دون صفقة.
بصرف النظر عن الطريقة التي ستنتهي بها الأزمة، فإن الحُكم على أداء البرلمان سيكون "دامغا للغاية"، كما تقول روث فوكس، مديرة المؤسسة الفكرية هانسارد سوسايتي Hansard Society. "إلى حد ما، لم يكُن هناك تفكير استراتيجي، وخيال ومبادرة".
بحلول الوقت الذي صوّت فيه أعضاء البرلمان لاستبعاد "بريكست" دون صفقة، كان قد مضى 993 يوماً على إجراء الاستفتاء – ولم يبق سوى 16 يوماً على تاريخ "بريكست" المُقرر. لماذا، بعد مأزقي العراق وسورية، استغرق البرلمان كل هذا الوقت لمعرفة ماذا سيصوّت؟
كان من الممكن أن يكون الأمر أقل إيلاماً بكثير. بعد بضعة أيام من الاستفتاء، ذهبت مجموعة من أعضاء البرلمان المهزومين من حزب العمال لرؤية وزير مكتب الحكومة في ذلك الحين، أوليفر ليتوين.
كان لدى أعضاء البرلمان اقتراح: أنه ينبغي على الحكومة تشكيل مجموعة عبر الأحزاب للاتفاق على خطة لـ"بريكست".
تمت صياغة الفكرة وفقاً للممارسات الأوروبية، مثل كيف قامت لجنة الشؤون الخارجية في الدنمارك بصياغة تفويض للمفاوضات الدولية للحكومة. يقول أحد أعضاء البرلمان من حزب العمال، ستيفن كينوك، "كان يُمكن أن يكون مجلس اختبار للحكومة".
صيف عام 2016 لم يكُن الوقت المثالي للأفكار المستوحاة من أوروبا في المملكة المتحدة، وتيريزا ماي، أقل السياسيين تعاوناً، لم تكُن أبداً الشخص المثالي لتلقيها. يقول كينوك، "غالباً ما يكون رد فعل السياسيين على التشاور هو أنه علامة ضعف، وهو ليس كذلك".
في الأوقات العادية، يتعيّن على أعضاء البرلمان تحقيق التوازن بين تفويضين على الأقل – نهج الحزب وضميرهم. في أواخر عام 2016، كان لدى أعضاء البرلمان من حزب المحافظين أربعة على الأقل. كان هناك بيان ديفيد كاميرون الانتخابي في عام 2015، الذي تم انتخابهم على أساسه. وكان هناك ضميرهم. وكانت هناك نتيجة الاستفتاء.
وكان هناك برنامج السيدة ماي الخاص كزعيمة حزب – تفسير تصويت "بريكست" الذي أعطى الأولوية لإنهاء حرية حركة الأشخاص، وتركيز على تدخل الدولة لمعالجة عوامل الظلم الجارحة.
هذا السيناريو لم يُصبح أكثر بساطة بعد انتخابات عام 2017 غير الحاسمة، التي بقي فيها المحافظون هم الحزب الأكبر لكنهم خسروا أغلبيتهم. ولم تتم المصادقة على رؤية السيدة ماي ولا رفضها بالكامل.
في ظل نهج متعدد الأحزاب، ربما كان سيتم تشكيل هذه التفويضات إلى شيء متماسك. في عام 2016، كانت السيدة ماي تتمتع بسلطة كافية لإجبار أعضاء البرلمان المناهضين للتكامل الأوروبي على قبول تسوية. كان أعضاء البرلمان المؤيدين للتكامل الأوروبي خائفين من نتيجة الاستفتاء: هم أيضاً كان بإمكانهم قبول تسوية. ربما كان من الممكن سد الفجوة بين الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية.
بدلاً من ذلك، خسرت رئيسة الوزراء الفرصة لتشكيل طريقة تعامل البرلمان مع "بريكست"، فهي تصرفت من تلقاء نفسها، وبقيامها بذلك زرعت بذرة الاستياء والتمرد. تقول ميج راسل، مديرة وحدة الدستور في كلية لندن الجامعية، "بدا أن تيريزا ماي كانت تظن أنها في البداية ستذهب إلى بروكسل للتفاوض، ومن ثم تُقدم الصفقة إلى البرلمان على أساس إما قبولها أو رفضها بدون شروط. نحن بعيدون جداً عن ذلك الآن".
في شباط (فبراير) من عام 2017، صوّت أعضاء البرلمان لتفعيل المادة 50، غير مُدركين في الغالب أن الموعد النهائي لمدة عامين سيوجد قريباً خطر "بريكست" دون صفقة.
بعد ذلك قام عضو البرلمان من حزب المحافظين دومينيك جريف بقيادة تمرد من أعضاء البرلمان لضمان أن مجلس العموم سيحصل على تصويت نهائي "ذي معنى". واستخدم أعضاء البرلمان ذلك التصويت لحظر صفقة السيدة ماي. أعضاء البرلمان أجبروا الوزراء على إجراء مناقشات، وحضور لجان مختارة، وتسليم الوثائق والالتزام بالمواعيد النهائية.
هذا يمثل الآراء المتقلبة من أعوام حزب العمال الجديد، عندما كانت الغالبية العظمى تعني أن أعضاء البرلمان كانوا بمنزلة تدقيق ضعيف على السلطة. لم يستطع مجلس العموم أن يرتب أوضاعه ويتماسك إلا بعد كشوفات العراق والنفقات – التي أظهرت أن أعضاء البرلمان كانوا قد استخدموا أموال دافعي الضرائب للدفع مقابل قروض عقارية لا وجود لها، من بين أشياء أخرى.
في عام 2009، كان كاتب التشريع روبرت روجرز، الآن لورد ليسفان نشر قائمة من 75 إجراء لإحياء المجلس. جون بيركو، الذي تم انتخابه رئيساً بعد ذلك بفترة قصيرة، نفذ أكثر من 30 إجراء منها – بما في ذلك دعوة الوزراء بانتظام إلى المجلس للإجابة على الأسئلة العاجلة.
أكثر من أي شخص آخر، بيركو يُلخّص تناقضات وستمنستر. حيث قام بإصلاح إجراءات مجلس العموم، أثناء الاحتفال بنبرته البلاغية. ودافع عن أعضاء البرلمان من غير الوزراء، بينما واجه اتهامات ينفيها بالتسلّط على الكتبة. ويتأكد أن جميع أعضاء البرلمان يتمتعون بدور للحديث، مع ضمان ظهوره كنجم حقيقي.
ما ساعد بيركو أنه في انتخابات عام 2010، لم يفز أي حزب بأغلبية ورأى مجلس العموم تدفقاً من أعضاء البرلمان المستقلين الذين يركزون على الناخبين، والذين عرفوا أنه يُمكن تدقيق سجلات تصويتهم عبر مواقع إلكترونية مختلفة.
مساءلة الحكومة هي شيء، ووضع الأجندة هي شيء آخر. أزمة "بريكست" أظهرت هذا. في كانون الثاني (يناير) الماضي وشباط (فبراير) الماضي، عندما طرح أعضاء البرلمان تعديلات من شأنها التمكين الفعلي للنواب من غير الوزراء – من خلال منحهم السيطرة على ما يتم مناقشته في مجلس العموم، أو إنشاء أنظمة تصويت لأعضاء البرلمان لتصنيف خيارات "بريكست" المختلفة – تراجعت الأغلبية.
يقول أحد الوزراء في حكومة الظل، "أعتقد أن أهم شيء هو مدى نجاحنا في السيطرة". بعد مواجهة خيار اتخاذ قرار الآن أو أبداً، قرر أعضاء البرلمان عموماً أنه لا يُمكن اتخاذه الآن. أصبحوا أكثر جرأة، من خلال رفض صفقة السيدة ماي للمرة الثانية. رداً على ذلك، وافقت الحكومة على تسهيل التصويت على خيارات "بريكست" مختلفة إذا رفضوها للمرة الثالثة.
يقول ليسفان، "العامان الماضيان أظهرا الأشياء التي يُجيدها البرلمان والأشياء التي لا يُجيدها. إنه غير جيد بشكل عام في سن التشريعات. الأشياء التي سارت بشكل جيد كانت هي اللجان".
صحيح أن لجنة البريكست متعددة الأحزاب من أعضاء البرلمان كانت بانتظام تُعَرِّي عدم كفاءة الحكومة، لكنها وافقت بالإجماع على تقرير واحد فقط، الذي كان ناقداً لصفقة السيدة ماي.
لو استقرت غالبية أعضاء البرلمان على شكل "بريكست"، كانت السيدة ماي ستضطر إلى قبولها. هذا لم يحدث. التعليمات الوحيدة التي أصدرها البرلمان للسلطة التنفيذية كانت غير كاملة وأشبه بالمستحيلة – استبعاد "بريكست" دون صفقة، أو "استبدال" الجدار الاستنادي الإيرلندي.
كان النظام البريطاني يتمتع بخطة هروب: بموجب اتفاقية، يُقدّم رؤساء الوزراء استقالاتهم إلى الملكة عندما كانوا يهزمون في القضايا الكبرى. قانون البرلمانات لمدة ثابتة عام 2011، المقصود منه ضمان استقرار الائتلاف من حزب المحافظين والحزب الديمقراطي الليبرالي، يعني في الواقع أن أعضاء البرلمان بإمكانهم هزيمة السياسة الرئيسة للحكومة دون فرض انتخابات عامة.
ينص القانون على شروط محددة لإجراء انتخابات – دعم ثُلثي أعضاء البرلمان، أو حجب الثقة المدعوم بأغلبية بسيطة.
بالتالي فقد سلب من الحكومة سلاحاً أساسياً للانضباط الحزبي – التهديد بأن المتمردين سيخسرون مقاعدهم.
السلطة التنفيذية تحتفظ بأدوات أخرى، مثل وضع أجندة مجلس العموم. في الآونة الأخيرة، قام داونينج ستريت بسحب جدل حول مشروع قانون للخدمات المالية لمنع أعضاء البرلمان من المطالبة بقواعد أكثر صرامة بشأن الملكية السرية للشركات.
يقول عضو البرلمان من حزب العمال، كريس بريانت، "تعلمنا أن الحكومة تتمتع بسلطة هائلة على مجلس العموم، حتى لو لم يكن لديها أغلبية، طالما يمكنها الفوز بتصويت بالثقة".
النتيجة هي طريق مسدود: الحكومة أضعف من أن تحكم، والبرلمان جبان للغاية وفوضوي للغاية على نحو لا يؤهله لتولي هذا الدور. إنها القوة القابلة للتوقف مقابل الأشياء المتحركة. إنه ذلك المشهد في فيلم المهمة الإيطالية، عندما تعلق الحافلة على حافة الهاوية، تتأرجح برفق للأمام والخلف.
الديمقراطيات لها ذكريات قصيرة. بعد ثمانية أعوام من غزو العراق، سعت المملكة المتحدة إلى تغيير النظام في ليبيا. بعد أزمة "بريكست"، هل يُمكننا إجراء استفتاء آخر؟ تصويت آخر للاتحاد الأوروبي، استفتاء آخر على استقلال اسكتلندا، وحتى تكرار استطلاع الرأي في عام 1973 على الحدود الإيرلندية الشمالية؟
إذا حصل ذلك، سيعتمد على قيام أعضاء البرلمان بالتهيج وسن قانون لهذه الأمور. وربما سينظرون في أمثلة حول كيفية ربط الديمقراطية البرلمانية والمباشرة معاً. قبل تصويت إيرلندا على تشريع الإجهاض، قامت الحكومة بإعداد مشروع قانون، لذلك فإن معنى التفويض كان واضحاً.
السؤال الأكثر إلحاحاً هو أين تأخذ هذه الأزمة النظام السياسي في بريطانيا. هل ستوجد رغبة في الإصلاح أم رغبة في عدم إعادة فتح الجروح القديمة؟ على أقل تقدير، بإمكان أعضاء البرلمان المطالبة بالحق لتحديد أجندة مجلس العموم. أستاذ التاريخ فيرنون بوجدانور يرى "بريكست" "لحظة دستورية" أوسع نطاقاً لتصحيح أعوام من العبث مثل قانون البرلمانات لمدة ثابتة.
يعتقد آخرون أن الجواب هو أن يكون مجلس العموم أقل حزماً. جادلت مجموعة من محامي حزب المحافظين أنه لا ينبغي منح أعضاء البرلمان حق التصويت على الإجراء العسكري في المستقبل، كما كانوا منذ حرب العراق.
اثنان من المرشحين البارزين لخلافة بيركو كرئيس – إلينورلاينج من حزب المحافظين وليندسي هويل من حزب العمال – سيكونان أقل ميلا للإصلاح.
يجادل اللورد ليسفان أن أعضاء البرلمان سيجدون أنهم لا يملكون القدرة على إدارة الحكومة. "أعتقد أنه في غضون عام أو عامين، كثير من هذا الشغف سيختفي. أعتقد أننا سنعود إلى الوضع الأصلي".
إلا أن جيلا من أعضاء البرلمان لا يعرف أين هو الوضع الأصلي، فهم لا يرون دور أعضاء البرلمان (من غير الوزراء) على أنهم شخصيات الكومبارس، لكنهم أبطال الرواية. لقد أصبحوا متطرفين وبدأوا بالأصل بالتمرد ضد نظام الحزب. يقول اللورد وود، "انهار الانضباط ويغلب على ظني أنه لن يعود بعد "بريكست".
مجلس العموم، الذي أصيب بالندوب من موضوع العراق وفضيحة النفقات، والمدعوم من بيركو والبرلمانات المعلقة، وبتشجيع من قيادة الحزب الضعيفة، هذا المجلس يشعر بالقلق وهو مضطرب.
حدود تصرفاته لا تزال قائمة. إنه تشكيلة غريبة من الأشخاص، تفتقر إلى آليات لبناء الائتلافات. إنه رئيس مؤقت لا يستمتع بالمسؤولية طويلة الأجل. ربما لا ينبغي أن نتوقع مزيدا. ما تحتاج إليه المملكة المتحدة بالدرجة الأولى الآن ليس برلماناً أقوى. بل حكومة شبه لائقة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES