أخبار اقتصادية- عالمية

«بيتكوين» بدأت بقيمة قطعتي بيتزا وبلغت ذروتها عند 20 ألف دولار ثم هوت إلى 3 آلاف

في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، احتفل المتعاملون بسيدة العملات المشفرة "بيتكوين" بذكرى مرور عشرة أعوام على صدور الدراسة التي أعدها شخص ما زالت هويته غامضة يدعى ساتوشي ناكاموتو، التي كانت بمنزلة البذرة الأولى لعالم العملات الافتراضية.
خلال هذا الفترة القصيرة نسبيا أحدثت العملات الافتراضية أو كما يسميها البعض الرقمية جدلا كبيرا بين الاقتصاديين والمختصين بشأن المفاهيم التقليدية للنقود، وأدخلت "بيتكوين" تغيرات لدى قطاع ملموس من المستثمرين بشأن الطريقة التي يجب أن ينظر إليها المجتمع الحديث للتمويل، وربما الأداء المصرفي مستقبلا.
حفزت "بيتكوين" عالم العملات المشفرة فكانت سببا في ميلاد أكثر من ألف عملة مشفرة مختلفة، وكانت أيضا عاملا رئيسا في إطلاق ما يعرف بمفهوم سلاسل الكتل "بلوك تشين".
لكن تاريخ "بيتكوين" لم يكن سلسا، بل كان مليئا بكثير من التجاهل والازدراء لسنوات، ثم لحقته مرحلة من الارتفاع والانخفاض، لكن في كل الأحوال تركت "بيتكوين" بصمة يصعب أن تمحى عند كتابة تاريخ النقود.
ويعد أنصار "بيتكوين" يوم 18 آب (أغسطس) عام 2008 بمنزلة بداية الإرهاصات العملية الأولى لظهور عملتهم الافتراضية، ففي هذا اليوم سجل نطاق Bitcoin.org "النطاق الأساسي الذي تم استخدامه مع أول موقع إلكتروني لـ"بيتكوين" من قبل كيان مجهول، وعد هذا التحرك مقدمة للكشف لاحقا عن بروتوكول "بيتكوين" بكل تعقيداته الفنية.
وبحلول 31 تشرين الأول (أكتوبر) نشر ما يعرف بالمستند الأول للفكرة النظرية التي تقع خلف "بيتكوين"، وهي دراسة مؤلفة من تسع صفحات تحمل عنوان "بيتكوين" نظام نقدي إلكتروني من نظير إلى نظير".
ويقول لـ"الاقتصادية"، أموك راهول الباحث الاقتصادي في مجال العملات الافتراضية، "لم تأخذ الدوائر الاقتصادية أو المالية أو المصارف لحظة انطلاق "بيتكوين" بجدية، ولم يتوقع أغلب المختصين أن تصبح العملة الافتراضية الجديدة مسار جدل كبير في المستقبل، إنما عدها البعض تقليعة تكنولوجية لن تنتشر كثيرا".
ويضيف راهول أن "أحد أسباب هذا التجاهل هو أن المفهوم كان معقدا بعض الشيء ولم يكن واضح العالم تماما".
وفي 3 كانون الثاني (يناير) 2009 نجح ساتوشي ناكاموتو في إنشاء ما يعرف بـ"سفر الكتل" وهو المجموعة الأساسية لمؤسسة "سلسلة كتل "بيتكوين".
وفي 12 كانون الثاني (يناير) من العام ذاته بدأت أول معاملة لـ"بيتكوين" بين ناكاموتو وأحد المساهمين الأوائل في المشروع ويدعى هال فيني، وإرسال ناكاموتو عشرة بيتكوينات لرفيقه لفيني، ومنذ ذلك الحين بدأ عالم الكمبيوتر فيما عرف بـ"التعدين" لاستخراج عملة "بيتكوين".
عشرة أشهر تحديدا في 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2009، إلا وتم تحديد أول سعر صرف لعملة "بيتكوين" مقابل الدولار، وفي ذلك الوقت كان الدولار يساوي 2300.03 "بيتكوين".
وحول أول معاملة لـبيتكوين" لشراء سلع مادية، يوضح لـ"الاقتصادية"، مارك هازر المختص المصرفي في مجموعة "نت ويست" المصرفية، "تم ذلك في 22 أيار (مايو) 2011، وقناعتي أن ذلك التاريخ هو اليوم الحقيقي لميلاد "بيتكوين" والعملات المشفرة، إذ قبل ذلك اليوم لم يكن لـ"بيتكوين" معنى حقيقي، حتى إن كانت متوافرة لدى البعض، فالنقود تمتلك قوتها من قدرتها على الشراء".
والطريف في الأمر أن أول عملية شراء لـ"بيتكوين" كانت مقابل اثنتين من البيتزا من قبل شخص يدعى "لاظلوا هانيتش" حيث دفع عشرة آلاف "بيتكوين" مقابل قطعتي البيتزا.
تعد تلك الصفقة علامة بارزة في مسيرة العملات الافتراضية، وغالبا ما يستند إليها أنصار "بيتكوين" باعتبارها دليلا على الشوط الكبير الذي قطعته عملتهم في نيل ثقة المستهلكين.
وبحلول 9 شباط (فبراير) 2011، قطعت "بيتكوين" شوطا مهما في مسيرتها مقابل الدولار الأمريكي، إذ أصبحت العلاقة بين العملتين 1:1 وفي غضون أربعة أشهر فقط ارتفعت قيمة "بيتكوين" إلى وحدة "بيتكوين" مقابل 31.91 دولار، لكن بعد أربعة أيام انخفضت إلى 10.25 دولار.
يقول لـ"الاقتصادية"، ريكي ستيورد المحلل المالي في بورصة لندن، وأحد أبرز المضاربين في العملات المشفرة "كان ذلك أول عملية تصحيح تواجه مجتمع "بيتكوين"، وكانت بداية لمرحلة مقبلة من التقلبات السعرية بعضها يعود إلى اختراقات أمنية كبيرة مثلما حدث في 19 حزيران (يونيو) 2011".
ويضيف ستيورد "بعد ستة أشهر من الهدوء النسبي انخفض سعر "بيتكوين" مرة أخرى، نتيجة أخبار أفادت حينها بأن شركة باكسم للمحافظ الإلكترونية توقفت عن قبول "بيتكوين".
تكشف تلك التقلبات بوضوح أن عملة "بيتكوين" لا تزال شديدة الهشاشة، لكنها تثبت أيضا أنها بدأت تدريجيا تثبت جذورا أولية في سوق العملات وعالم النقود، وبحلول 9 نيسان (أبريل) عام 2013 تجاوزت أسعار أول العملات الافتراضية حدود 200 دولار لأول مرة في تاريخها.
لكن قبل حلول الذكرى الخامسة لـ"بيتكوين"، تم إغلاق موقع سلك روود، أحد أبرز المواقع التي تتداول فيها "بيتكوين"، كما تم الاستيلاء على 26 ألف "بيتكوين"، ما مثل ضربة قوية للأسواق، واهتزت قيمة "بيتكوين" فانخفضت خلال ساعات من 139 دولارا إلى 109 دولارات.
ومثل تشرين الثاني (نوفمبر) 2013 لحظة سعادة للمضاربين على "بيتكوين"، ففي هذا التاريخ تعادلت قيمة "بيتكوين" مع سعر أونصة الذهب، إذ بلغت ألف دولار، لكن تلك اللحظة لم تدم طويلا، إذا فقدت في الشهر التالي 40 في المائة من قيمتها، ثم أخذت في التقلب بين هذين السعرين.
في شباط (فبراير) 2014، انتشرت شائعات بأن مؤسسة إم تي جوكس لتبادل "بيتكوين" ومقرها طوكيو تعرضت للاختراق الإلكتروني، وأوقفت البورصة التداول فيها، ما أسفر عن استقالة رئيس مجلس إدارة المؤسسة، وفي آذار (مارس) تقدمت الشركة بطلب لحمايتها من الافلاس من ديون تجاوزت 60 مليون دولار، بعد أن فقدت 850 ألف "بيتكوين".
وتوضح لـ"الاقتصادية"، الدكتورة صوفيا سميث أستاذة النقود والبنوك في جامعة ليدز "تمثل تلك المشكلة لحظة فارقة في تاريخ "بيتكوين"، فالأمر لا يتعلق بالمبلغ المفقود، لكن لأن مارك كاربليس رئيس مجلس إدارة الشركة ألقى باللائمة في تلك الخسارة على مسائل تقنية متعلقة ببروتوكول "بيتكوين" ذاته، وهذا يوجد شكوكا حول العملة ذاتها، وليس الإجراءات الأمنية المتخذة لحماية التعامل بها، ومن ثم يبعث برسالة سلبية إلى الأسواق لتجنبها، وينعكس ذلك سلبا على أسعارها والطلب عليها".
وفي 11 كانون الأول (ديسمبر) 2014 بدأت شركة مايكروسوفت في قبول المدفوعات بـ"بيتكوين"، ما مثل خطوة على طريق حصولها على اعتراف الشركات العالمية.
مع هذا ظلت "بيتكوين" تفتقد قوة الدفع الإعلامي المطلوبة لتعزيز موقعها في الأسواق، لكنها نالت مبتغاها بعد ست سنوات من إصدار ساتوشي ناكامو ورقته البحثية، إذ ظهرت العملة المشفرة على الصفحة الأولى لصحيفة "الإيكونوميست" في عددها بتاريخ 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2015، وعدت الأسواق هذا الدعم الإعلامي مؤشرا إيجابيا تجاه "بيتكوين"، فاستقرت قيمة العملة لمدة عامين تقريبا.
وكان عام 2017 بمنزلة بداية لما سيكون أكبر سباق صعودي في تاريخ "بيتكوين"، فهو العام الأكثر غزارة في تاريخ العملة المشفرة حتى الآن، ففيه انتقلت إلى مرحلة جديدة تتصف بمزيد من وعي الأسواق بوجودها، واقبال المستثمرين عليها، فقبل ثلاث سنوات من ذلك التاريخ اخترقت عملة "بيتكوين" حاجز الألف دولار، لتعود في 2 كانون الثاني (يناير) 2017 إلى تحقيقه مجددا.
لكن قيمة العملة المشفرة انخفضت لبضعة أشهر قبل أن تستجمع قوتها لصعود غير مسبوق، ففي 11 حزيران (يونيو) تجاوزت "بيتكوين" سقف ثلاثة آلاف دولار لأول مرة على الإطلاق، وسط جدل مستمر حول الآفاق المستقبلية للعملات الافتراضية ككل.
وأدى الخلاف داخل مجتمع "بيتكوين" بشأن التوسع في عملية "التعدين" وإصدار مزيد من تلك العملة إلى انقسام داخلي، وفي الأول من آب (أغسطس) 2017 برزت عملة جديدة تعرف باسم "بيتكوين كاش"، لكن هذا لم يوقف "بيتكوين" عن الارتفاع لتصل إلى خمسة آلاف دولار في أيلول (سبتمبر) 2017.
لم يمر أسبوعان إلا وانخفضت إلى ثلاثة آلاف دولار بعد أن حظرت الصين تبادل العملات المشفرة، إضافة إلى التعليقات السلبية لجيمي ديمون الرئيس التنفيذي لشركة "جي بي مورجان تشيس" الذي وصف العملات الافتراضية بأنها احتيال.
وأفادت مسودة قائمة أنشطة تسعى لجنة التخطيط الرسمية في الصين إلى وقفها، أن اللجنة تريد حظر تعدين "بيتكوين" في البلاد، ما ينبئ بتنامي الضغط الحكومي على قطاع العملات المشفرة.
والصين أكبر سوق في العالم لأجزاء الكمبيوتر المصممة لتعدين "بيتكوين" والعملات المشفرة الأخرى لكن مثل تلك الأنشطة كانت تقع في السابق في منطقة رمادية على صعيد التنظيم الرقابي.
وقالت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الإثنين الماضي "إنها تستطلع آراء الجمهور بشأن قائمة منقحة من الأنشطة التي ترغب في تشجيعها أو الحد منها أو وقفها". ونشرت القائمة للمرة الأولى في 2011.
وأضافت مسودة القائمة المنقحة تعدين العملات المشفرة، ومن بينها "بيتكوين"، إلى أكثر من 450 نشاطا ذكرت اللجنة أنه يجب وقفها تدريجيا لعدم التزامها بالقوانين والتنظيمات ذات الصلة أو لكونها غير آمنة أو أنها تهدر الموارد أو تلوث البيئة.
ولم تنص القائمة على موعد أو خطة مستهدفة لكيفية وقف تعدين "بيتكوين"، ما يعني أن مثل تلك الأنشطة يجب البدء فورا في التخلص التدريجي منها، بحسب الوثيقة. وأمام الجمهور حتى السابع من أيار (مايو) للتعليق على المسودة.
وأشارت صحيفة "سكيوريتيز تايمز" المملوكة للدولة إلى أن مسودة القائمة "تبرز بوضوح توجه السياسة الاقتصادية للدولة" حيال نشاط العملات المشفرة.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017، وبعد أن استقر غبار الجدل، انطلقت "بيتكوين" في جولة تصاعدية قوية منذ تجاوزت "بيتكوين" سقف عشرة آلاف دولار في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2017، ولم تمض سوى ساعات معدودات إلا وقفزت إلى مستوى 11 ألف دولار.
وواصلت العملة المشفرة الاندفاع لتصل إلى قرابة 20 ألف دولار في كانون الأول (ديسمبر) 2017، وفي بعض البلدان تجاوزت هذا الرقم، لكن قبل نهاية الشهر ارتدت إلى الخلف لتصل إلى 13 ألف دولار فقط.
وبعد عام من الازدهار، شهد العام الماضي أوقاتا صعبة للمستثمرين في "بيتكوين"، إذ افتتح العام بتراجعها إلى حدود عشرة آلاف دولار.
وحول أسباب هذا التراجع، يقول لـ"الاقتصادية"، مورجان ماركس الاستشاري في المجال الاستثماري "كان الأمر أقرب إلى عملية تصحيح تلقائية من الأسواق استجابة للمعطيات الجديدة، فالحديث عن تشدد الصين تجاه العملات الافتراضية، وحظر "فيسبوك" للعملة المشفرة، جعل الأمور أكثر قتامة خلال العام الماضي".
يتضح ذلك من خسارتها نحو 30 في المائة من قيمتها في الأسبوع الأول من شباط (فبراير) عام 2018، إذ تراجعت من عشرة آلاف دولار إلى سبعة آلاف فقط. وفي 6 من شباط (فبراير) عقدت لجنة السلع والتداول المستقبلي الأمريكية اجتماعا تناولت فيه العملات المشفرة وتكنولوجيا سلسلة الكتل، ومع انتهاء الاجتماع بموقف إيجابي لـ"بيتكوين"، فإن أسواق العملات المشفرة انتعشت لكنها ظلت غير مستقرة خلال الأشهر التالية، ففي آذار (مارس) حظر موقع "تويتر" الإعلان عن العملة المشفرة، وأعلنت "جوجل" عن خطط لإيقاف إعلانات العملة المشفرة، وفي حزيران (يونيو) الماضي انخفضت "بيتكوين" بقوة لتصل إلى 5868 دولارا فقط.
على أي حال، يمكن وصف وضع "بيتكوين" بأنه أصيب بالركود منذ منتصف العام الماضي، وأصيب المستثمرون معه بخيبة أمل نتيجة رفض هيئة الأوراق المالية والبورصة، ففي آب (أغسطس) الماضي رفضت تسعة صناديق تداول لـ"بيتكوين"، بسبب المخاوف مما وصفته بـ"المقاومة غير الكافية للتلاعب بالأسعار".
وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2018، بلغت التقلبات في أسعار "بيتكوين" أدنى مستوى لها خلال 17 شهرا، وارتفعت معه حدة الجدل في الأسواق بشأن مستقبل العملات الافتراضية تحديدا "بيتكوين".
ويختصر البروفيسور براون سميث المستشار الاقتصادي السابق في وزارة المالية البريطانية تاريخ "بيتكوين" قائلا "القيمة السوقية لسوق العملات الافتراضية حاليا 173 مليار دولار، وتقع سوق العملات الافتراضية ضمن أكبر 20 قيمة سوقية في العالم، وتمثل "بيتكوين" 59 في المائة من سوق العملات الافتراضية".
ويضيف سميث "عمر "بيتكوين" يقترب الآن من 11 عاما منذ انطلقت أول مرة، ووفقا لعديد من المؤشرات فقد قطعت شوطا كبيرا في القفز بقيمتها أو تثبيت جذورها في الأسواق، وبالطبع لم تتشبث جذورها بقوة بعد في عالم النقود، والرياح تتجاذبها ذات اليمين وذات الشمال، لكن المؤكد أنها تنمو، ومع مرور الوقت سيصعب اقتلاعها من الجذور بدون أضرار حقيقية للنظام المالي العالمي".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية