الصناعة .. منظار جديد

|

الأغلبية العظمى من تجاربنا وتعليمنا الاقتصادي مصدره الدول الغربية، خاصة بعد تتويج ما يسمى "إجماع واشنطن"، الذي أهم سماته تضخيم دور القطاع الخاص والتخصيص وتقليل دور الحكومة، لكن تبعات التجريب أثبتت ضعف هذا النموذج في كثير من الدول النامية. هذا النهج في التفكير الاقتصادي سيطر على التفكير لدينا إلى حد أنه منعنا لفترة من التفكير في نماذج أخرى. نحن نخلط بين تجربة الدول الغربية، التي ننظر إليها بإعجاب "ربما أحد الأسباب أننا نأخذ بمنظار استهلاكي حتى لبعض قضايا التنمية!"، لكن لا يمكن إعادة تجربة الغرب التنموية والتصنيعية، لأن الظروف الموضوعية مختلفة. أحيانا نتحدث عن تجارب دول النمور الآسيوية، حتى زيارات إلى هذه البلدان، دون استخلاص للتجربة وترجمتها إلى سياسة عامة. الصناعة في الأخير توجه وتنفيذ لخيارات تصنيعية محددة، وفي هذا الصدد اطلعت على ورقة بحثية من إصدارات صندوق النقد الدولي حول تجربة نمور آسيا وإمكانية تطبيقها في دول أخرى لتحقيق نقلة نوعية في اقتصاداتها. 
تجربة نمور آسيا فكريا وعمليا ممكنة التوطين مع بعض التعديلات حسب ظروف المرحلة، لكن علينا معرفة المبادئ التي قامت عليها حسبما ذكرت الدراسة. تذكر الدراسة ثلاثة مبادئ:
1) دعم المنتجين المحليين في الصناعات المتقدمة بما هو أبعد من الميزة النسبية، في اختلاف جوهري عن السياسات التي تقوم على استبدال الواردات أو المبالغة في دور الميزة النسبية.
2) التوجه إلى التصدير.
3) السعي إلى منافسة شرسة داخليا وخارجيا وتطبيق مساءلة محكمة لها. 
تحلل الورقة هذه المبادئ التي أخذت بها النمور الآسيوية في ظل ظروف متغيرة وبعض الحظ في عملية التطوير. جوهر هذه السياسة تحقيق نمو اقتصادي مستدام يبدأ من إنتاج مصنوعات "أيا كانت" قابلة للمتاجرة الدولية وبربحية تحقق عائدا قابلا للتراكم "نمو اقتصادي مستدام". القيمة المضافة الحقيقية في زيادة درجة الترابط الأفقية والرأسية في الاقتصاد. هذه المبادئ مختلفة نوعيا عما نسمع كثيرا عنه، مثل تحسين المناخ العام للأعمال، وتفعيل المؤسسات الرقابية، حتى البنية التحتية، وتقليل دور الحكومة في الإدارة الاقتصادية، إذ إن هذه وغيرها تشكل في الغالب الحد الأدنى دون طموح وتحقيق الأهم. لعل السؤال، أين نحن من هذا الطرح؟ 
يبدو لي أننا اقتربنا كثيرا، على الأقل على مستوى النوايا حين جاءت فكرة "أندلب" - مبادرة التصنيع والتعدين واللوجستيات، لكن لست مطلعا على المستوى الثاني من تنفيذ السياسات بعد إعلان التأسيس. سنحت لي الفرصة أثناء حضور مدير المشروع ندوة جمعية الاقتصاد السعودية قبل عدة أسابيع، التساؤل حول طبيعة الروابط الأفقية والرأسية في المشروع، لأنها في نظري تشكل طبيعة الخارطة الواقعية للتنفيذ، إذ إن الصناعات في الأخير قيمتها ليس في المادة المصنعة، مع أهميتها وحدها، لكن في مدى الترابط في الاقتصاد وتفاعله الديناميكي. بناء المؤسسات والمهارات يتطلب وضوحا في القطاعات المستهدفة. التفاعل ومرونته هما وسط الاقتصاد الحديث المنشود. سبق "أندلب" نجاحات مؤثرة، لكنها منصة المستوى الثاني للصناعة والتحول الحقيقي طبقا لما تدعو إليه "الرؤية". نحن في انتظار توضيح أكثر من مسؤولي مشروع "أندلب".

إنشرها