FINANCIAL TIMES

منحنى العائد يخالف «العراف» بترجيح عودة الركود

ألان جرينسبان، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق، والمعروف بلقب "العرّاف" بسبب تنبؤاته الاقتصادية، طلب من مجلس الشيوخ الأمريكي في الـ21 من تموز (يوليو) عام 2005، أن يتجاهل أي خلل غامض في الأسواق يخشى البعض أنه قد ينبئ بحدوث تباطؤ اقتصادي.
وأعلن أن ما يُسمى "منحنى العائد" قد عفا عليه الزمن. وقال جرينسبان بثقة للجنة المصرفية في مجلس الشيوخ: "تُشير الأدلة بوضوح شديد إلى أن كفاءته كأداة للتنبؤ قد تقلصت بشكل عجيب بسبب الأحداث الاقتصادية".
منحنى العائد هو "مقياس الخوف" الأصلي في "وول ستريت"، حيث سجّل تنبؤاً مثالياً حتى قبل حتى أن تُشير المؤشرات المُدّعية مثل مؤشر فيكس، بأي فكرة للمهندسين الماليين.
عادة، تدفع البلدان مقابل الاقتراض لمدة ثلاثة أشهر أقل مما تدفع لمدة خمسة أعوام، ولمدة خمسة أعوام أقل من عقد من الزمن والسبب في ذلك واضح، وهو أن المستثمرين يريدون بعض التعويض عن التآكل التدريجي الناتج عن التضخم، أو الخطر، وإن كان ضعيفاً، لأن الحكومة يُمكن أن تُنكر ديونها.
حين توضع النقاط على الرسم البياني، فإن عوائد السندات بمختلف تواريخ الاستحقاق تُشكل ما يعرف بـ"منحنى عائد" يميل في معظم الأحيان إلى الأعلى بلطف.
في بعض الأحيان، العوائد قصيرة الأجل تكون أعلى من العوائد طويلة الأجل، وهو "انعكاس" للشكل المعتاد للمنحنى الذي كان نذيراً دقيقاً بفترات الركود، التي تسبق كل تراجع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
على سبيل المثال، عندما تلا جرينسبان في عام 2005 نعْي القوى التنبؤية لمنحنى العائد، كان العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل ثلاثة أشهر لا يزال 0.9 نقطة مئوية أقل من العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشرة أعوام.
بعد عام انقلب المنحنى وبعد ذلك بـ18 شهراً دخل الاقتصاد الأمريكي أسوأ فترة ركود له، منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
بشكل ينذر بالشؤم، انقلب منحنى العائد الأمريكي الآن مرة أخرى، حيث انخفض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشرة أعوام في الـ22 من آذار (مارس) الماضي، ليصبح أقل من العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل ثلاثة أشهر للمرة الأولى منذ عام 2007.
حين يقترن هذا مع طول فترة التوسع بعد الأزمة سيصبح هذا الصيف أطول طفرة نمو في تاريخ الولايات المتحدة ومع تدهور البيانات الاقتصادية، فإن منحنى العائد المقلوب سيثير المخاوف من أن العد التنازلي لفترة الركود التالية قد بدأ بالفعل.
يقول دوجلاس بيبلز، رئيس الدخل الثابت في "آلاينس برنشتاين" إن "المنحنى كان يميل إلى الاستواء ويُرسل إشارة تحذير منذ فترة. أنا من عشّاق منحنى العائد ولا أعتقد أنه يُمكنك تجاهل ذلك".
إلا أنه متنبئ معقد. علامات النمو الثابت أدت الآن إلى ارتفاع منحنى العائد مرة أخرى إلى المنطقة الإيجابية، ويظل المستثمرون وخبراء الاقتصاد متفائلين نسبياً، بحجة أن هناك قوى سوقية تلعب دورها في تشويه رسالة المنحنى.
يقول محمد العريان، كبير المستشارين الاقتصاديين في "آلآينتز"، "أنا لست قلقاً. إشارة منحنى العائد ليست كما كانت عليه من قبل".
بول سامويلسون، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، قال ذات مرة مازحاً إن سوق الأسهم المتقلبة بشكل ملحوظ، توقعت تسعا من فترات الركود الخمس الماضية.
هذا ما كان في ذهن كامبل هارفي عندما كان يفكر في مواضيع لأطروحة رسالة الدكتوراه في جامعة شيكاغو عام 1983. هناك فترة تدريب صيفية في إحدى شركات التعدين في تورنتو، أكدت مدى الفائدة التي قد تحصل عليها الشركات من وجود مؤشر سوق أفضل لقياس التوقعات الاقتصادية، فأوراق البحث أظهرت بوضوح سِجل التنبؤات غير المنتظم في البورصة.
بإلهام من ورقة بحث غامضة في عام 1965 تُشير إلى طريقة تموّج منحنى العائد مع الدورة الاقتصادية، أدرك الأستاذ هارفي أن هذه قد تكون طريقة أفضل بكثير لقياس مخاطر الركود.
اللجنة التي أشرفت على أطروحته كانت متشككة في البداية، نظراً لندرة الملاحظات، لكنها أصبحت جزءاً من العمل الأساسي عن منحنى العائد.
بساطته هي سبب رئيس للتشكيك، وذلك وفقاً للأستاذ هارفي، وهو الآن أستاذ العلوم المالية في جامعة ديوك. يقول، "النموذج بسيط فعلاً. إنه نقطة هجوم" بالنسبة للنقاد. "لكن لديه سجل جيد".
في جوهره، منحنى العائد يلخص حكمة ملايين المستثمرين، ووجهات نظرهم حول صحة الاقتصاد الحالية والمستقبلية. قد يكون مديرو الصناديق الأفراد مخطئين من وقت لآخر، لكن الحكم العام لكثير من الأشخاص الأذكياء يغلب عليه أن يكون دقيقاً إلى حد ما.
العوائد على السندات طويلة الأجل تتأثر بأسعار الفائدة التي تحددها البنوك المركزية، لكن في أغلب الأحيان بالتوقعات الاقتصادية. عندما يعتقد المستثمرون أن الغيوم الاقتصادية بدأت تتجمع، الأمر الذي سيؤدي إلى خفض التضخم، يغلب عليهم شراء سندات الخزانة الأمريكية، ما يؤدي إلى خفض عوائدهم.
وعندما تنخفض إلى مستوى أدنى من العوائد على السندات قصيرة الأجل التي تتماشى بشكل أوثق مع أسعار الفائدة الأساسية تكون مؤشراً قوياً على أن المستثمرين يعتقدون أن السياسة النقدية ثقيلة فوق الحد على الاقتصاد الذي يعاني تدهور صحته. هذا يُمكن أن يُسرّع الركود ويُجبر البنك المركزي على خفض أسعار الفائدة مرة أخرى، ما يُعزز أسعار السندات.
لاحظ أن هناك كثيرا من القوى التي تُشكل العوائد. يقول اقتصاديون ومستثمرون إن بعضها قد يتسبب في أن خلل التنبؤ في سوق السندات يعاني الخلل هو نفسه. يقول سيث كاربنتر، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في بنك يو بي إس ومسؤول كبير سابق في وزارة الخزانة ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، "تكون غبياً إذا تجاهلت منحنى العائد، لكنه ليس دليلاً على أن الركود آتٍ من تلقاء نفسه".
التنظيمات لفترة ما بعد الأزمة شجّعت المصارف على الاحتفاظ بمزيد من المال في أصول آمنة للغاية، ومن الصعب العثور على أي شيء أكثر أماناً من سندات الخزانة الأمريكية.
لا يزال مجلس الاحتياطي الفيدرالي يحتفظ بمبلغ تريليوني دولار من سندات الخزانة الأمريكية التي حصل عليها من خلال برنامج التسهيل الكمي، بينما عززت أسعار الفائدة السلبية وبرامج التسهيل الكمي في أوروبا واليابان الطلب الهائل على السندات ذات التصنيف المرتفع.
إلى جانب القوى طويلة الأمد مثل التكنولوجيا والتركيبات السكانية التي تقمع التضخم، فإن هذا يحافظ على انخفاض العوائد طويلة الأجل بغض النظر عن الوضع الاقتصادي.
في الوقت نفسه، تموّل الحكومة الأمريكية كثيرا من عجز ميزانيتها الكبير من خلال إصدار سندات قصيرة الأجل بدلاً من سندات طويلة الأجل. إلى جانب الانكماش الأخير في الميزانية العمومية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي وزيادات أسعار الفائدة، فقد مارس ذلك ضغطاً تصاعدياً هائلاً على عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
لهذا السبب يفضل كثير من مديري الصناديق استخدام عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين وعشرة أعوام كمقياس أدق لشكل المنحنى. هذا "الهامش" يبقى إيجابياً، حيث يراوح بين 0.1 و0.2 في المائة منذ العام الماضي. هامش سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين و30 عاماً، وهو مقياس شائع آخر، انحدر في الواقع هذا العام، ما أدى إلى تشويه إشارة منحنى العائد.
مع ذلك، قدراته التنبؤية تبدو سيئة. شهدت اليابان والمملكة المتحدة وألمانيا جميعا انقلابات في المنحنى الماضي دون المعاناة من حالة ركود. بالتالي، يُجادل بعض المستثمرين أن الانشغال بمنحنى العائد هو أمر مُجهد. يقول كاسبر إلمجرين، رئيس الأسهم في شركة أموندي لإدارة الأصول: "أصبحت السوق مهووسة جداً به".
مع ذلك، هذا لا ينفي الإشارة التي يُرسلها منحنى العائد، وذلك وفقاً لبيتر فيشر، مسؤول كبير سابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ورئيس الدخل الثابت في شركة بلاك روك والأستاذ في كلية توك للإدارة في دارتموث الآن: فإن "الخطأ هو الاعتقاد أنه مؤشر يتنبأ بالركود. أعتقد أنه يُسبب الركود".
وهو يُجادل أن منحنى العائد الثابت أو المقلوب يُقلل من رغبة المصارف في الإقراض. السبب في ذلك بطبيعة الحال هو أن تكاليف تمويلها مرتبطة بأسعار الفائدة قصيرة الأجل.
عندما تنخفض أسعار الفائدة طويلة الأجل أقل من تكلفة تمويلها، فإن الحافز للإقراض يتدمر. وهذا بعد ذلك يُحدِث موجات تتردد في أنحاء الاقتصاد ويُساعد بالتسبب في حالة ركود، بدلاً من مجرد التنبؤ بواحدة.
يُشير بحث أجراه بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان لويس أخيراً إلى أن حجة الأستاذ فيشر السببية قد تكون صحيحة، لكنها تبقى وجهة نظر الأقلية. في الواقع، إذا وضعنا جانباً موجة التوتر في سوق السندات الشهر الماضي، يبدو أن معظم المستثمرين لا يزالون يشعرون بالراحة إلى حد ما.
تلقت البورصة الأمريكية ضربة قوية في يوم الانعكاس، لكنها لا تزال تتمتع بأفضل بداياتها للعام منذ عام 1988، والسندات الخطرة التي ينبغي أن تكون حساسة بشكل خاص لأي علامة على ضعف النمو سجّلت أفضل ربع لها من العوائد منذ عقد من الزمن.
يقول روبرت باكلاند، كبير خبراء استراتيجية الأسهم العالمية في مجموعة سيتي، "الانعكاس الأخير لمنحنى العائد الأمريكي هو مؤشر كلاسيكي للسوق في آخر الدورة، لكنه ليس نهايتها بعد. يُشير التاريخ إلى أنه سبب للقلق، وليس تشاؤماً تاماً".
يُشير بحث الأستاذ هارفي إلى أن انعكاسا لما يقل عن ثلاثة أشهر فقط هو مؤشر موثوق للركود. انعكس المنحنى لفترة وجيزة في عام 1988، في ذروة الاضطراب الناجم عن العجز في روسيا وانهيار صندوق لونج تيرم كابيتال، لكن سرعان ما عاد إلى الوضع الطبيعي قبل انعكاس لاحق أكثر دواماً في عام 2000 سبق انفجار فقاعة الدوت كوم. الانعكاس الأخير استمر لمدة خمسة أيام تداول فقط.
علاوة على ذلك، قد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً بين منحنى مقلوب وركود فعلي، ويبدو أن التأخير يُصبح أطول. أقصر وقت كان لمدة ربع واحد فقط، في عام 1957. الفارق المتوسط يبلغ نحو خمسة أرباع، لكن أطول فترة بين منحنى عوائد سلبي وفترة ركود كانت لمدة عامين، وهذا كان قبل الأزمة المالية عام 2008.
هذه المرة قد يستغرق حتى فترة أطول. أوقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الآن الخطط لزيادة أسعار الفائدة، ويقول معظم المحللين إن النمو يتباطأ فقط، لكنه ليس منهارا. يتوقع خبراء اقتصاد البنك المركزي أن تتباطأ وتيرة النمو بشكل طفيف فقط، إلى 2.1 في المائة هذا العام، و1.9 في المائة في عام 2020 و1.8 في المائة في عام 2021.
حتى الذين يعتبرون أنفسهم من "عُشاق منحنى العائد" مثل بيبلز يؤكدون أن أي انعكاس لا ينبغي أن يُثير الذعر. يقول "أنا لا أتجاهل منحنى العائد، لكن في الوقت الحالي لا أعتقد أننا يجب أن نشعر بالقلق الشديد".
نتيجة شعور كبار المسؤولين في مجلس الاحتياطي الفيدرالي بالانزعاج من تقلبات السوق، أنهم يصرون على أن الاقتصاد الأمريكي يظل في وضع جيد، ويجادلون بأن منحنى العائد هو الذي يعاني الاختلال.
في الأسبوع الماضي قال جون وليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك: "هناك عدد كبير من الأسباب التي تدفعنا إلى التفكير بأنه متنبئ بحالات الركود لأسباب كانت في الماضي، لكنها لا تنطبق في الوقت الحاضر." راندال كوارلز، نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يعزو المنحنى المقلوب إلى تقلص الميزانية العمومية للبنك المركزي. وأضاف في الأسبوع الماضي: "لا أنظر إليه على أنه إرهاص يعتد به".
هناك دائما أسباب معقولة عديدة تبين كيف بات منحنى العائد فكرة قديمة مهجورة، مع أن سجله جيد على نحو يثير الخوف، في الواقع سجله أفضل كثيرا من سجل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
يشير البروفيسور فيشر إلى أن الركود الوحيد الذي أفلح البنك المركزي في التنبؤ به على الإطلاق، كان الركود الذي تسبب به عمدا في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، حين زاد بول فولكر، رئيس المجلس في ذلك الحين، من أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية بهدف القضاء على التضخم.
النموذج القائم على منحنى العائد الذي يتبعه بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك من أجل حساب احتمال الركود في فترة الـ12 شهرا المقبلة، يشير إلى أن احتمال حدوث ركود اقتصادي، قفز إلى نسبة 29 في المائة وهي أعلى نسبة منذ بداية عام 2007، وهو احتمال أعلى مما شهدناه قبل سنة قبيل خمس من حالات الركود السبع الماضية، وفقا لبنك كريدي سويس.
يخشى البروفيسور فيشر من أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي والأسواق تشعر بالتهاون حول المخاطر. وفي صياغة شبيهة بالعبارة التنبؤية المشهورة حول التاريخ، والمنسوبة إلى مارك توين يضيف أن: "منحنى العائد لا يكرر نفسه تماما، لكن لديه نوع من اقتفاء الأثر".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES