التحلية بالتناضح العكسي .. ما الجديد؟

|

ينتج العالم نحو 90 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميا، بواسطة ما يزيد على 18 ألف محطة تحلية صغيرة ومتوسطة وكبيرة. وتشكل مياه الآبار النسبة الكبرى من المياه المحلاة، تليها مياه البحر، ثم مياه من مصادر أخرى مثل المياه السطحية والعادمة. وتتصدر دول الخليج قائمة دول العالم من حيث سعة الإنتاج، كما أنها كانت رائدة في تطبيق تقنيات التحلية بشكل تجاري منذ أكثر من 60 عاما. ويتوقع زيادة اعتماد العالم على التحلية في المستقبل لإنتاج مياه صالحة للشرب؛ وذلك نتيجة للتغيرات المناخية وتلوث مصادر كانت سابقا صالحة للشرب. 
وتستخدم تقنية التناضح العكسي باستخدام أغشية شبه نفاذة في أكثر من 80 في المائة من محطات تحلية المياه في العالم. بينما تشكل التقنيات الحرارية والكهربائية معظم النسبة المتبقية. ويرجع السبب الرئيس في انتشار تقنية التناضح العكسي إلى انخفاض تكلفتها الرأسمالية واستهلاكها للطاقة، مقارنة بالتقنيات الحرارية.
ويتركز المبدأ الأساس لعملية تنقية المياه بالتناضح العكسي على استخدام غشاء شبه نفاذ يسمح للماء بالمرور من خلاله تحت الضغط، بينما يمنع مرور الملح. وهكذا يتم فصل ماء عذب في جهة من الغشاء، بينما يتركز الملح على شكل محلول عالي الملوحة في الجانب المقابل. وفي محطات التحلية التجارية تتم هذه العملية بشكل مستمر عن طريق تغذية جانب من الغشاء بتدفق متواصل من الماء المالح تحت ضغط مرتفع يصل إلى 80 ضغطا جويا لإنتاج ماء نقي ينفذ من خلال الغشاء ومحلول شديد الملوحة لاحتوائه على جميع الأملاح أو الملوثات الموجودة في ماء التغذية. وعادة تتم إعادة المحلول شديد الملوحة إلى البحر أو المصدر الذي أخذ منه محلول التغذية. ومع مرور الوقت تزداد ملوحة مصدر التغذية، وبالتالي تزداد صعوبة عملية التحلية واستهلاكها للطاقة. 
من ناحية أخرى، يؤثر المحلول الرجيع سلبيا في البيئة والكائنات الحية التي تعيش في المصدر من بحار وبحيرات؛ بسبب ازدياد الملوحة حسب كثير من الدراسات البيئية. هذا التحدي يزداد صعوبة عند تحلية مياه الآبار؛ وذلك لأن الرجيع عالي الملوحة يتجمع بجانب بئر الماء ثم يتسرب تدريجيا للطبقة الحاوية للماء من البئر؛ ما يتسبب في زيادة ملوحتها بشكل مطرد. كما أن الخليج العربي خاصة شماله هو أحد أكثر بحار العالم تأثرا بمشكلة الرجيع؛ وذلك لضحالته وارتفاع معدل تبخر مياهه ووجود أكبر كثافة في العالم لمحطات التحلية على شواطئه. وجميع هذه المحطات تلقي برجيعها المالح في مياهه.
والحل المثالي لمشكلة رجيع التحلية، هو أن يتم استخلاص الماء بالكامل منه وترسيب الأملاح على شكل مواد صلبة يمكن تخزينها أو بيعها. ولكن هذا حل مكلف جدا؛ بسبب انحصار التقنية التي يمكنها استخلاص الماء من الرجيع عالي الملوحة في التقنيات الحرارية التي تغلي الماء وترسب الأملاح. وهذه التقنيات مكلفة جدا رأسماليا، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة، تتجاوز كمية الطاقة المطلوبة لتحلية الماء بالتناضح العكسي بأربعة أضعاف على الأقل.
وقد حاول كثير من شركات التقنية رفع كفاءة عملية التناضح العكسي للتعامل مع المياه شديدة الملوحة؛ لأن التناضح العكسي حل مثالي قليل التكلفة، وقليل استهلاك الطاقة. لكنهم اصطدموا دائما بحاجز الضغط الذي لا يصبح اقتصاديا إذا زاد عن 80 ضغطا جويا. وهذا هو الضغط الذي تتوقف عنده عملية التناضح العكسي فيزيائيا لدى بلوغ ملوحة مياه الرجيع نسبة 8 في المائة. وعنده أيضا يتم استخلاص 50 في المائة من ماء التغذية على شكل ماء عذب. وينتج عنه محلول رجيع يحتوي على ملح بنسبة 8 في المائة، مقارنة بماء البحر الذي يحتوي على ملح بنسبة 4 في المائة تقريبا. 
وبقي هذا التحدي قائما إلى أن قامت تقنية هايريك بتحوير تقنية التناضح العكسي لتصبح قادرة على استخلاص 80 في المائة من ماء التغذية على شكل ماء عذب، وتركيز الملح في الماء الرجيع إلى حد التشبع، وهو 25 في المائة ملح تقريبا. وهذا هو المستوى نفسه الذي تحققه التقنيات الحرارية لكن هذه التقنية تحققه باستهلاك ثلث الطاقة، ونصف التكلفة الرأسمالية، وباستخدام ضغط التناضح العكسي العادي نفسه. 
ولكن كيف استطاعت هذه التقنية التغلب على حاجز الضغط الأسموزي الهائل؟ تقوم تقنية هايريك بعمل شيء مخالف تماما للمتوقع، وهو خلط الماء العذب في الجانب منخفض الضغط من غشاء التحلية بجزء من ماء الرجيع المالح. وبهذا يوجد محلولان ملحيان على جانبي الغشاء، ولكن أحدهما تحت ضغط عال، والثاني منخفض الضغط. ونتيجة لتوازن الضغط الأسموزي على جانبي الغشاء يستمر تدفق الماء من الجانب عالي الضغط إلى منخفض الضغط بغض النظر عن ملوحته. وعند تكرار هذه العملية بشكل متتابع، تتزايد ملوحة الجانب عالي الضغط، بينما تقل ملوحة الماء في الجانب منخفض الضغط. وينساب هذان المحلولان في اتجاهين متعاكسين عبر عدة مراحل، ينتج عنها محلول شديد الملوحة في اتجاه، ومحلول منخفض الملوحة في الاتجاه الآخر. 
وفي الختام تتم تحلية المحلول منخفض الملوحة بتقنية التناضح العكسي لاستخلاص الماء العذب، بينما تتم تغذية المحلول شديد الملوحة لمرسبات ترسب الأملاح منه، وبهذا لا يتولد رجيع للبحر أو الآبار، وتكون المحصلة النهائية لتقنية هايريك استخلاص كمية أكبر من الماء العذب وعملية تحلية صديقة للبيئة، أو ما يطلق عليه اصطلاحا "تقنية التصريف الصفري للسوائل ZLD".

إنشرها