الخدمات محرك الاقتصاد

|

سيطر الإنتاج الزراعي على الاقتصادات العالمية آلاف السنين، وشكلت عمالة القطاع الزراعي معظم مشتغلي اقتصادات بلدان العالم خلال القرون الخوالي. وبعد الثورة الصناعية في بريطانيا إبان القرن الـ19 انتقلت البشرية بشكل تدريجي إلى العصر الصناعي، وأصبح التصنيع رمزا للتقدم لدى بلدان العالم. استمرت وتسارعت التغيرات الهيكلية لأنشطة الناتج المحلي خلال الأعوام الـ50 الماضية. ورغم تطور القطاعات الصناعية إلا أن أهمية الصناعة للناتج المحلي تراجعت في كثير من الدول خصوصا المتقدمة، وأخذت قطاعات الخدمات تنمو بمعدلات أسرع وتشكل أهمية متزايدة من الناتج المحلي لدول العالم. ومع مرور الوقت زادت أهمية قطاعات الخدمات بسبب استقطابها معظم العمالة على المستويات العالمية والوطنية.عادة تستهدف قطاعات الخدمات الاقتصادات المحلية بالدرجة الأولى كما أن كثيرا منها غير عابر للحدود، إلا أن العقود القليلة الماضية شهدت تزايدا في أهميتها للتجارة الخارجية وصارت تشكل جزءا لا يستهان به من التبادلات التجارية العالمية. تفيد مصادر البنك الدولي للإنشاء والتعمير بازدياد مساهمة الخدمات في الأنشطة الاقتصادية العالمية، حيث ارتفعت إلى 65.1 في المائة من الناتج المحلي العالمي "نحو الثلثين" في 2017، وبلغت قيمتها ما يقارب 52.5 تريليون دولار في ذلك العام. وتشير البيانات إلى أن هناك ترابطا واضحا بين حصة الخدمات في الناتج المحلي ومستويات الدخل والتقدم الاقتصادي، ففي الدول الغنية المتقدمة ترتفع حصة الخدمات في الناتج المحلي إلى أكثر من الثلثين وتتراجع في الدول منخفضة الدخل إلى أقل من 40 في المائة. ووصلت حصة الخدمات من الناتج المحلي لأمريكا، واليابان، وفرنسا إلى 77 في المائة، 69 في المائة، 70 في المائة على التوالي عام 2017. أما في المملكة فقد بلغت حصة الخدمات نحو 52 في المائة، وذلك حسب مصادر البنك الدولي. قاد نمو قطاعات الخدمات وكثافة استخدامها للعمالة إلى تزايد مستمر في أهميتها للتوظيف على المستوى العالمي. وتشير بيانات منظمة التعاون والتنمية إلى توظيف قطاعات الخدمات لمعظم العمالة في أعضائها من الدول. وبلغت حصة عمالة قطاعات الخدمات الكورية الجنوبية في 2017 نحو 94.5 في المائة من إجمالي المشتغلين. كما وصلت مساهمة الخدمات في إجمالي التوظيف إلى 90 في المائة، 93.1 في المائة 90.1 في المائة لدى كل من إيرلندا وكندا ونيوزيلندا على التوالي. ولهذا فإن استهداف الخدمات في التنمية يبدو أكثر جدوى في التعامل مع معضلة البطالة من التركيز على تنمية القطاعين الصناعي والزراعي. نمت مساهمة الخدمات في التجارة الخارجية خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث ارتفعت حصتها من 17 في المائة من إجمالي الصادرات العالمية في 1980 إلى 24 في المائة عام 2016. وساعدت الاتفاقات العالمية خصوصا اتفاقيات منظمة التجارية العالمية في فتح أسواق الخدمات الداخلية التي كانت تحميها أنظمة الدول التجارية. ونمت تجارة الخدمات العالمية بنسبة تفوق نمو الصادرات الصناعية، حيث بلغ معدلها السنوي 5.1 في المائة خلال العقد المنتهي بعام 2016، بينما بلغ معدل نمو الصادرات الصناعية 3.2 في المائة. حققت الولايات المتحدة ــ أكبر مصدر للخدمات في العالم ــ فائضا وصل إلى نحو ربع تريليون دولار في 2017، وهو ما مكنها من تقليص عجزها التجاري الهائل. وترتفع حصة المحتوى المحلي في تجارة الخدمات مقارنة بنظيرتها من المنتجات الصناعية والزراعية، ما يجعلها أكثر قدرة على توليد الناتج والنمو والوظائف. تعاظمت أهمية قطاعات الخدمات بسبب التطورات التقنية العلمية والاتفاقيات الدولية التي فتحت أسواق الخدمات المحلية للمنافسة الأجنبية. وحفز النمو الاقتصادي العالمي وازدياد مستويات الرفاهية زيادة الطلب على الخدمات. ومع التقدم التقني، وانتشار وزيادة الطلب على الخدمات العامة كالتعليم والرعاية الصحية، والتغيرات الاجتماعية، وازدياد متوسطات الأعمار المتوقعة لسكان العالم ظهرت خدمات كثيرة ومتنوعة. سرعت اتفاقيات حماية الحقوق الفكرية الثنائية ومتعددة الأطراف انتشار التقنية وزيادة خدماتها عبر العالم. كما شهدت الخدمات المالية وخدمات الأعمال نموا كبيرا سهله التطور التقني في قطاعات الاتصالات. ومن المتوقع أن يسهم انتشار الإنترنت والخدمات المتوافرة من خلالها في زيادة معدلات نمو قطاعات الخدمات. 
تشكل الخدمات جزءا كبيرا من القيمة المضافة في القطاعات الزراعية والصناعية، لهذا فإن نمو هذه القطاعات المنافسة لها يسهم أيضا في زيادة معدلات نمو الخدمات.
ركزت بعض الدول على التنمية الصناعية خصوصا الثقيلة منها وباء عديد منها بالفشل بسبب أخطاء السياسات وإهمال تنمية قطاعات الخدمات. من جهة أخرى، تحاول بعض الدول مثل الهند التحول من الاقتصاد الزراعي إلى الخدمي من أجل تحقيق التنمية، وحققت نجاحات ملحوظة. وعموما يبدو أن تنمية وتطوير الخدمات مفتاح التطور والتنمية خلال العقود المقبلة. ومع نمو الميكنة والروبوتات ستشكل الخدمات أهمية متزايدة في توظيف الأيدي العاملة وفي توليد الناتج المحلي وإيرادات الحكومات.

إنشرها