ثقافة وفنون

أدباء الكتاب الواحد .. روايات بلا ربائب

تقضي القواعد والأعراف في عالم الأدب أن يبدأ الكاتب في شق طريقه تدريجيا، حتى يصنع لنفسه منزلة؛ عادة ما تعلو مع توالي الأعمال والمؤلفات التي يرسم بواسطتها مساره الخاص، ويصنع بها أسلوبه ومواضيعه، وأحيانا حتى شخصيات أعماله...، ما قد يبقى رديف اسمه، ويصبح صاحب حقوق ملكية لها في حقل الأدب.
بذلك يكون التراكم أساسا لنيل شرعية التميز في هذا المجال أو ذلك، ففي الرواية على سبيل المثال، يمكن الحديث عن وضع قائمة للمبدعين بإعمال معيار الموضوع؛ الرواية التاريخية، الرواية الاجتماعية، الرواية البوليسية... وقد يتطور الأمر للكلام عن أجيال متعاقبة داخل المجال نفسه، ما يجعل الفرصة سانحة حينها للمقارنة والمفاضلة بين المبدعين، اعتمادا على محددات أقرب إلى الموضوعية.
في بعض الأحيان، لا يحترم منطق التراكم في عالم الأدب، فأغلبية المبدعين ممن حجزوا لأنفسهم مكانة بين الكبار في الذاكرة الجمعية للأدب، حققوا ذلك بعمل واحد؛ يحدث أن يكون تألفيه في بداية أو نهاية مشوار أعمالهم، لدرجة يصبح فيها المؤلِّف والمؤلَّف في علاقة الدال بالمدلول، أو بالأحرى يكونان وجهين لعملة واحدة.
فنجد في الأدب العالمي أمثلة عديدة، من قبيل رواية "العجوز والبحر" للأمريكي إرنست همنغواي التي غطت على بقية الروائع؛ وبالأخص "وداعا للسلاح". و"مزرعة الحيوانات" التي حجبت باقي أعمال الروائي جورج أرويل، بما فيها تلك التي بث فيها تجاربه الشخصية، وبالتحديد روايتا "متشردا في باريس ولندن" و"الحنين إلى كاتالونيا". ورائعة الكولومبي غابريل كارسيا ماركيز "مائة عام من العزلة"، و"الخيميائي" للبرازيلي باولو كويلو.
أما في الساحة العربية، فالقائمة تطول ننتقي منها رواية "الخبز الحافي" التي تذكرنا بمحمد شكري، واسم محمد زفزاف الذي ارتبط بـ"محاولة عيش". وقد ننسى كل المواسم إلا "موسم الهجرة للشمال" للسوداني الطيب صالح. وقس على المنوال ذاته، كل حديث عن القناديل سوى "قنديل أم هاشم" للمصري يحيى حقي. وتعفينا الثلاثية عن ذكر اسم نجيب محفوظ، و"رجال في الشمس" عن غسان كنفاني.
لقد أضحى ارتباط اسم كاتب بمؤلف دون سواه، حالة شائعة عربيا وعالميا، لكن النادر حقا هو ما يبدو لنا من حين لآخر؛ ما يمكن اعتباره تجسيدا للحكمة المأثورة التي تؤكد أن "الانسحاب في الوقت المناسب انتصار". فبين الفينة والأخرى يجود التاريخ، في فترات استثنائية، بأشخاص استثنائيين، يكتبون رواية واحدة يبهرون بها العالم ثم يختفون إلى الأبد. كأنهم كائنات من كواكب أخرى، جاءت في مهمة إمتاعية إلى كوكب الأرض ثم رحلت عنه سريعا.
نعم، لقد اشتهر روائيون؛ عالميا وعربيا، من خلال عمل إبداعي واحد، استطاع أن يضمن لهم مكانة بين مشاهير الأدب؛ دون غزارة في الإنتاج والكتابة ولا مطولات في الحكاية والسرد، عمل أدبي يكون الأول والأخير، استحقوا به توصيف «أصحاب العمل الواحد». هل الأمر مجرد ضربة حظ قادتهم نحو العالمية؟ أم أن هؤلاء قالوا كل ما أرادوه مرة واحدة؟ أم أن هذا الصنف من المبدعين غير مستعد للشهرة أصلا؟
نكتشف حين نعود إلى بعض هذه الأعمال، أن أصحابها مميزون حقا، فقد كتبوا أدبا لا ينسى. فعلى الرغم من قصر النصوص التي تركوها وراءهم، عند مقارنتها بما نراه اليوم، إلا أنهم نجحوا إلى حد كبير في جعلها مشحونة ومكتنزة، ومرتبطة بالمكان مشدودة إلى الجذر والأصل. وهم على مهارتهم وتمكنهم لم تغرهم الكثرة أو تخفهم قلة الإنتاج.
إن الأعمال الواردة ضمن قائمة «أصحاب العمل الواحد» نادرة، لكنها خلدت نفسها وأصحابها بطريقة يصعب معها أن يطولها النسيان، بالنظر إلى السياق والظروف والحيثيات التي تكون قد رافقت ولادة كل عمل على حدة.
فرائعة "الحصان الأسود" (1877)، كانت بدافع الإحساس بالحاجة إلى عمل يشجع على علاج الخيول. وقد كلفت الكاتبة الإنجليزية آنا سويل؛ التي لم تراودها فكرة أن تكون روائية يوما، ست سنوات من عمرها، وجاءت كتابتها في بداية العقد الخامس من عمرها، وتوفيت بعد خمسة أشهر من نشرها.
وخلد الكاتب الإيرلندي أوسكار وايلد اسمه، ضمن قائمة أدب القرن الـ19 بروايته الفلسفية "صورة دوريان غراي" (1891). وعكس ما ذهبت إليه التوقعات من مواصلة وايلد لنجوميته الأدبية، فضل الاكتفاء بهذا العمل الذي يحكي قصة حياة شاب أراد أن يرسم صورة لدوران، وكيف أن العمل أظهر مدى الترابط بين البطل والمكان الذي ظل يرسمه لسنوات حتى اكتملت لوحته.
وأخذت رائعة "ذهب مع الريح" (1936) من الروائية الأمريكية مارجريت ميتشل ست سنوات من عمرها، التي كانت عبارة عن تحدٍّ لزميل لها سخر منها، ولم يصدق أنها قادرة على كتابة رواية، حتى إنها لم تكن تنوي النشر وهي التي لازمت البيت كل هذه السنوات، من أجل الكتابة لتنتج واحدا من الكتب الأكثر مبيعا في كل العصور.
بعد وفاة ميتشل بعشر سنوات، ستكتب هاربر لي إحدى كلاسيكيات الأدب الأمريكي بعنوان "أن تقتل طائرا بريئا" (1959). نقيض البقية، حاولت لي كتابة رواية ثانية "الوداع الطويل"، لكن هجرتها في النهاية، وابتعدت عن الحياة العامة بشكل نهائي حتى وفاتها عام 2016.
سيلفيا بلاث انسحبت من المجال الأدبي، ومن الحياة بإقدامها على الانتحار عام 1963، مكتفية برواية واحدة، هي "الناقوس الزجاجي" (1962)، التي تضمنت حياة شبه موازية لحياتها. إنها تكاد تكون تجسيدا لحالتها النفسية، حيث تناولت حياة فتاة تعاني اضطرابا نفسيا جعلها تقدم على الانتحار.
أمريكي آخر، يدعى آرثر جولدن صاحب رواية "جيشا" (1997)، حظي بشهرة عالمية بسبب هذا العمل الوحيد، الذي ترجم إلى 32 لغة عالمية، وبيعت فيه أكثر من خمسة ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها. تناول فيه التأثيرات السلبية للحرب العالمية الثانية في المجتمع الياباني.
ربما يكون الروائي العراقي صموئيل شمعون الاسم العربي الوحيد المرشح للدخول إلى هذه القائمة، بروايته المؤثرة "عراقي في باريس" (2005)، التي تحكي بنوع من السخرية والدعابة، قصة جيل من العرب دمرت الأيديولوجيات التي هيمنت على الساحة السياسية العربية حياتهم.
إن رواية واحدة يمكن أن تخلد اسم صاحبها في عالم الأدب العربي، لكن على ما يبدو أن هذه الفكرة لا تزال غريبة أو مهجورة في سياقنا الإبداعي، رغم ما تحمله من بريق وإغراء، قد يستحثان الكاتب على السعي لإنجاز عمل واحد مميز، يستطيع بواسطته أن يعلق في ذاكرة القراء ولا يغادرها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون