المبرمجون وتحدي السعودية

|

أثار الفتى مراد الحربي بطموحه وعزيمته سلسلة من الردود والتعليقات بدأت من عصام الذكير نائب المحافظ لقطاع ريادة الأعمال في "منشآت"، الذي حولها إلى تحد كمحاولة تشجيعية ذكية لتثبيت روح المبادرة لدى الشاب مع إمكانية توسيع نطاق التحدي ليشمل أعدادا أكبر، لا شك في أن مثل هذه المبادرة جميلة لكن لا تزال ضمن نطاق مبادرات ردات الفعل أكثر من أن تكون ممنهجة وذات استراتيجية لها أهداف طويلة الأمد، وأنا هنا أتكلم عن المبادرات في قطاع البرمجة، رغم أن التحسن ملحوظ خلال آخر سنة عبر أكثر من هاكثون تم إطلاقه ضمن مبادرات منفصلة ومن قبل عدة جهات إلا أنها تظل دون استراتيجية قومية تدير دفتها للمدى البعيد.
الجميع يعلم أن المستقبل فيما يسمى الثورة الصناعية الرابعة التي تقوم في الأساس على التقنية التي ستعمل على تقليل المسافة بين الإنسان والآلة بل تصبح الحواسيب والآلات مندمجة مع الإنسان بشكل لا يصدقه العقل ومن هذه التقنيات: تقنية الجيل الخامس في الاتصالات، إنترنت الأشياء، التعلم العميق للآلات، الذكاء الصناعي، البيانات الضخمة، الطباعة ثلاثية الأبعاد، القيادة الذاتية والأمن السيبراني وغيرها الكثير من التقنيات والمجالات التقنية المتطورة، ولهذا بدأت الدول منذ سنين بالعمل قدما لتوجيه الاقتصاد والتعليم وكل المنظومة البيئية المطلوبة لتحقيق قدم السبق والقيادة في بعض أو كل هذه التقنيات، نحن لدينا التوجه لتحقيق تطور في هذه المجالات كما تم العمل في بعضها لكن كل هذه المجالات تشترك في عامل واحد بشكل مباشر أو غير مباشر وهو البرمجة، إن البرمجة هي كالبنية التحتية لكل هذه الصناعات والقطاعات، وإذا أردنا التميز وتحقيق تقدم لا بد من وجود عدد كاف من المبرمجين ليقوموا بالمشاركة في تحقيق أهداف المملكة نحو المنافسة في الثورة الصناعية الرابعة، كل من يعمل مع المبرمجين يعلم تماما مقدار النقص الموجود الحالي "دون إضافة عامل الطلب لتنفيذ أي مبادرات للثورة الصناعية الرابعة" ولهذا يلجأ أصحاب الأعمال إلى طلب خدمات المبرمجين العرب أو الهنود لحل النقص الحالي، وهنا يتضح وجود فجوة كبيرة في موضوع المبرمجين السعوديين ومدى القدرة على تلبية الطلب المحلى، فما بالك بالخارجي؟ قد يتحجج البعض بعدم الحاجة إلى المبرمجين ما دام أنها تقدم بالخارج بتكلفة أقل، في الحقيقة وبالنظر إلى حجم العاطلين وبالنظر إلى حجم الطلاب في المدارس يجب التفكير جديا في الاستفادة منهم وإيجاد جيل من المبرمجين السعوديين يغطون الطلب المحلي وقد يستفاد منهم في السوق العالمية، وهذا دون ذكر الأسباب الأخرى التي تدعم وجود مبرمجين سعوديين لدواعي الأمن والسرية والمردود الاقتصادي وغيرها.
إنني أحث المسؤولين على إعادة النظر في موضوع المبرمجين بشكل أكثر أهمية وتبنيهم تحت مظلة رسمية مسؤولة عنهم تضع استراتيجية لتطويرهم تبدأ من منظومة التعليم وتنتهي بالتوظيف، حيث تكون لها أهداف بتخريج عدد سنوي من المبرمجين لسوق العمل بما يتوافق مع الدراسات التي تأخذ كل مجالات الطلب والعرض وما تطلبه السوق والمستقبل، ليس من السهل أن نهدف إلى التفوق بالتقنية والثورة الصناعية الرابعة دون وجود مبرمجين سعوديين يبنون أكواد وبرامج هذه الصناعة أو يعملون على تطويرها، إن عملية تصميم وإطلاق برنامج بسيط على متجر أبل أو أندوريد يتم غالبا عبر مبرمجين غير سعوديين رغم تميز المبرمج السعودي وذلك بسبب قلة هؤلاء المبرمجين حسبما لاحظت، فكيف بالعمل فيما هو أكبر وعلى مشاريع أضخم ستستوجب جيشا من المبرمجين ليغطوا الطلب؟
ختاما ما نريده ليس مراد واحدا بل عشرات الآلاف من أمثال مراد إذا استمر وطور من نفسه، وشبابنا لم يكن على مقربة وتفاعل مع التقنية كما يحدث اليوم، التي ستزيد بكل تأكيد مستقبلا، ولهذا ما ينقصهم التوجيه وتوفير البيئة لدخولهم عالم المبرمجين، وأتمنى أن نطلق تحديا لتطوير 100 ألف من أمثال مراد الحربي.

إنشرها