وزارة الثقافة .. وشعار «ثقافتنا هويتنا»

|


منذ أن صدر الأمر الملكي بإنشاء وزارة مستقلة للثقافة وتوزير وزيرها الأمير بدر بن فرحان نلاحظ أن الوزارة أخذت على عاتقها أن تكون نمطا لحياة الإنسان السعودي، وهدفا لتحقيق مزيد من النمو الاقتصادي، وأن تعزز مكانة المملكة قوة ناعمة ضمن منظومة المجتمع الإقليمي والدولي. ومن خلال هذه التطلعات، فإن الوزارة تريد أن تجسد الهوية السعودية "ثقافتنا هويتنا" في كل أعمالها وأنشطتها الثقافية التي تجسدت في "رؤية السعودية 2030".
ولعل أهم إنجازات الوزارة هو الإعلان عن الاستراتيجية الثقافية لأول مرة في تاريخ الثقافة السعودية، وقبل هذا التاريخ كانت الثقافة تترنح بين عدد من الجهات الحكومية بدءا من وزارة المعارف.. إلى الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ثم وزارة الثقافة والإعلام.
نحن هنا نهنئ أنفسنا بهذه المبادرات الثقافية التي تحدث ــ لأول مرة ــ في تاريخنا الثقافي، التي رأيناها في تراثنا المعماري في المدن التراثية التاريخية، ونراها الآن في كل مفاصل القوة السعودية الناعمة، من المسرح، حتى السينما، والأوبرا، وبيوت وقصور الثقافة والأكاديميات الفنية والمكتبات المركزية ... إلخ.
إذا كنا نسلم بأن التنمية المتوازنة هي عمل مشترك من كل مؤسسات المجتمع، فإننا نستطيع القول إن دور المؤسسات الثقافية في التنمية ضعيف للغاية، دعونا نشاهد حجم مساهمة الثقافة في الناتج القومي الإجمالي، لا شك أنه ضعيف للغاية!
والسبب الرئيس لغياب دور المثقفين في التنمية أن المؤسسات الثقافية في المملكة ما زالت دون المأمول، ولا توجد مؤسسات ثقافية يمكن أن نعدها مساهمة في التنمية، ولكن ما يبعث على الارتياح أن قافلة الثقافة بدأت وأن الاستراتيجية الثقافية ستأخذ قاطرة الثقافة إلى مرافئ الوصول ـــ بإذن الله.
وحتى الآن فإن ما يمكن أن يمثل المؤسسات الثقافية هو الأندية الأدبية، وجمعية الفنون، وجمعية الطوابع، والمفترض أن تكون هناك صروح للثقافة، وبيوت ومؤسسات تعنى بكل فنون الحياة ابتداء من الفن التشكيلي إلى السينما، والمسرح، حتى بناء المتاحف الوطنية الكبرى واحترام الآثار لا استنكارها، وكذلك بناء الأكاديميات والمعاهد العليا لتخريج كوادر الفنون والسينما والمسرح والآثار.
في المجال الرياضي نتحدث بكل فخر عن المنشآت الرياضية التي نفذتها الحكومة بنجاح منقطع النظير في كل المناطق، ولدينا منشآت جامعية ومدرسية وصحية، وحكومية ضخمة في كل التخصصات إلا في الثقافة، ليست لدينا أي منشأة واحدة، ليست لدينا مكتبات مركزية عامة في المدن السعودية، ليست لدينا متاحف إسلامية وطنية كبرى في مناطق مختلفة من المدن السعودية رغم أننا البلد الذي شع منه نور الإسلام الحنيف، وبه كل الآثار الإسلامية الجليلة التي أهدرنا ــ مع الأسف الشديد ــ كثيرا منها.
إذن نحن في أمس الحاجة إلى مراجعة شاملة لمفهوم الثقافة والتنوير، في حاجة إلى بناء مؤسسات وطنية ثقافية تقوم بدور واضح في وضع وتصميم برامج التنمية الثقافية، ونحمد الله أننا أشهرنا أخيرا استراتيجيتنا الثقافية بعد أن وضعنا أنشطة الثقافة في مرمى الاستنكار والاستخفاف لعقود طويلة، بينما العالم كله يجل الثقافة وينميها وينشرها في ربوع البلاد، ويعدها القوة الناعمة التي تقمع الإرهاب والكراهية والعنصرية البغيضة!
إذن لا تثريب على وزارة الثقافة أن تباشر من الآن بناء متاحف إسلامية وطنية في المدن الرئيسة من مملكتنا الغالية، وبالذات في المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي العاصمة الرياض التي اعترفت اليونسكو بآثارها الحضارية المبهرة، وفي جدة، وفي الأحساء آثار وآثار، وغير ذلك من المدن السعودية التي شهدت كثيرا من الحضارات القديمة الغابرة.
إن المجتمع يجب أن يتوازن، وحتى يتوازن فلا بد أن يأخذ بالخطط التنموية الشاملة في كل مجالات حياته، في مجالات الاقتصاد، والثقافة، والسياسة، والرياضة، أما أن نهتم بمحاربة الفقر اقتصاديا، وننسى محاربة الفقر ثقافيا فهذا مأخذ نؤاخذ عليه، ولن تكون في بلادنا تنمية متوازنة إلا إذا نفذنا مشاريع التنمية في جميع المجالات.
إن أمام وزارة الثقافة دورا كبيرا على طريق بناء المؤسسات الثقافية، والمؤسف أن نشاط المؤسسات الثقافية القائمة "جمعية الفنون، وجمعية الطوابع، والأندية الأدبية" محدود للغاية، وتقع معظمها في بيوت شعبية متواضعة.
إن المملكة دولة عظمى ويجب أن تكون لها مؤسسات ثقافية بحجم عظمتها وكبرها ودورها الحديث، ونعلم جيدا أن كل الدول العظمى لها مؤسسات ثقافية مبهرة، لها متاحف ولها مكتبات مركزية عامة، ولها دور للسينما، ولها دور للأوبرا، ولها دور للمسرح، ولها بيوت للثقافة، ولها كليات ومعاهد عليا لنشر الثقافة في ربوع البلاد، وهنا أتساءل إلى متى نبقى دون منارات ثقافية؟ لقد أحسنت وزارة الثقافة صنعا حينما أعلنت اختيار مركز الملك فهد الثقافي في الرياض مقرا للفرقة الوطنية للمسرح والفرقة الوطنية للموسيقى.
إن بناء المنشآت الثقافية الوطنية المستقلة الكبرى كما بنينا وعمّرنا المدن الرياضية الكبرى سيغير قناعات من كان يستنكر كثيرا من أنشطة الثقافة، ويجب أن نتذكر أن الرياضة كانت في مرمى الاستنكار لدى كثير من فئات المجتمع، ولكن حينما بنينا المدن الرياضية والاستادات الرياضية انخرط الكل في تأييد ودعم النشاط الرياضي.
إننا نحتاج إلى تعريف الناس بأهمية الثقافة ودورها في بناء الأمة وتنوير الشباب "ولا ننسى أننا في عصر الشباب"!

إنشرها