تحديد أم حرية أسعار الأدوية؟

|


يسمح عديد من الدول لآليات السوق بتحديد أسعار الأدوية انسجاما مع السياسات المتبعة في باقي السلع والخدمات. وسمحت حرية الأسعار لشركات الصيدلانيات برفع الأسعار وتحقيق كثير منها لأرباح وفيرة. ولكن هناك كثير من هذه المكاسب جاءت على حساب رفاهية المرضى، حيث ارتفعت أسعار كثير من الأدوية بمعدلات تفوق معدلات التضخم. وتنادي أصوات كثيرة في بلدان متعددة بفرض قيود وسن تشريعات لمراقبة وضبط والتحكم في أسعار الأدوية، وذلك من أجل خفض تكاليفها المتصاعدة التي ترهق أنظمة الصحة العامة والمرضى، خصوصا الأشد احتياجا منهم. وبالطبع، تقاوم شركات الصيدلانيات والقطاعات الطبية الأخرى تحديد الأسعار من خلال التواصل مع الساسة والمشرعين واستخدام وسائل الضغط والإغراء المختلفة.
يلاحظ وجود فوارق ملحوظة بين أسعار الأدوية في الدول التي تحاول التحكم في الأسعار والدول التي تسمح بحريتها. وتسعى دول كثيرة، ومنها الدول الأوروبية، إلى الحد من نمو أسعار الأدوية وتكاليفها، من خلال سياسات مختلفة متبعة في أنظمة الرعاية الصحية الوطنية. ويدعم مؤيدو حرية الأسعار حجتهم بالقول إنها تمكن الشركات المصنعة من تغطية تكاليف تطوير أدوية جديدة لمكافحة الأمراض الخطيرة، بينما يرى مؤيدو فرض قيود على الأسعار أن حرية الأسعار تأتي على حساب رفاهية المرضى، وأنها أدت إلى تصاعد الأسعار بمعدلات كبيرة. ويعطي احتياج المرضى الشديد للأدوية مجالا قويا لشركات ومزودي الأدوية بزيادة الأسعار. كما يساعد وجود أطراف أخرى تدفع تكاليف الأدوية، كشركات التأمين والحكومات، على زيادة الطلب على الأدوية ورفع أسعارها. وتشكل تكاليف الأدوية جزءا من تكاليف المعيشة، يرتفع مع تراجع معدلات الدخل. وتعاني الشرائح السكانية الأقل دخلا ارتفاع تكاليف الدواء، خصوصا في الدول النامية التي تعجز أو تقصر في تغطية احتياجات المرضى. وتستحوذ تكاليف الدواء على نصف دخول بعض الأسر الفقيرة، ولا يتمكن كثير من فقراء الدول النامية المرضى من شراء الدواء، ما يتسبب في آثار سلبية بالغة التأثير في صحة وحياة ورفاهية الفقراء.
تبرر صناعة الأدوية أو الصيدلانيات ارتفاع أسعار الأدوية بضرورة توفير موارد إضافية لتغطية تكاليف تطوير الأدوية والاستمرار في أنشطة البحث والتطوير واكتشاف وتصنيع أدوية جديدة. ويرد المنادون بضرورة تحديد أسعار الأدوية أن شركات الأدوية الكبرى تحاول استغلال هذه الحجة لتحقيق أرباح ضخمة، وأنها لا تخصص سوى جزء محدود يقارب خمس إيراداتها للبحث والتطوير، ويذهب جزء كبير من هذا الإنفاق إلى تطوير أدوية لا تختلف كثيرا عن الموجود في الأسواق. إضافة إلى ذلك تحقق صناعة الأدوية أرباحا تفوق كثيرا ما تخصصه للبحث والتطوير، وتنفق جزءا أكبر على التسويق والتكاليف الإدارية التي تتضمن رواتب ضخمة لطواقمها الإدارية. ويرى المؤيدون لمراقبة أو التحكم بأسعار الأدوية أن معظم الاكتشافات الصيدلانية في العالم ليست من مخرجات الصناعة. ويذكر المؤيدون أن معظم تطوير الأدوية واللقاحات يأتي أساسا من العلوم والأبحاث الطبية التي تدعمها الحكومات والجهات غير الهادفة للربح، حيث تحدث معظم الاكتشافات في معامل غير هادفة للربح، وتمنحها مجانا لكيانات مبتدئة صغيرة تقوم بمعظم عمليات التطوير، ثم تشتريها شركات الأدوية وتحقق منها مكاسب كبيرة.
يمكن التحكم في أسعار الأدوية والحد من نموها السريع من خلال عدة آليات، أبرزها؛ ضبط أسعار كل دواء على حدة، وتحديد أرباح الشركات المصنعة ووسطاء تسويق وبيع الأدوية، وتحديد تعويضات شركات التأمين مقابل الأدوية لتقليل استهلاكها إلى مستويات آمنة. ولا ينبغي فقط التركيز على سياسات السيطرة على الأسعار للحد من التكاليف، بل يجب دعمها من خلال سياسات أخرى تزيد مستويات المنافسة وتحد من ممارسات الجشع والاحتكار في مجالات الأدوية. إضافة إلى ذلك، تساعد مساعي التصدي لممارسات فساد الأدوية على خفض تكاليف حصول المرضى على الدواء. وتسهم سياسات شراء الأدوية أيضا في تخفيف حدة تصاعد الأسعار، من خلال تجنب التركيز على شراء الأدوية بعلامات تجارية، واتفاقات الشراء الجماعي أو المتضامن مع منتجي ومزودي الأدوية. ونظرا لتأثر الأسعار بوجود وسطاء كثيرين في عمليات تسويق وشراء الأدوية، كالوكلاء وموزعي الجملة وشركات التأمين والصيدلانيات والمؤسسات الطبية والحكومات، فمن المهم الحد من ممارسات الجشع أو الفساد لدى الوسطاء لخفض تكاليف الأدوية.
عموما، يبدو أن هناك توجها متزايدا لدى دول العالم لمراقبة وتحديد والتحكم في أسعار الأدوية، لكن ينبغي الحذر من المبالغة في إجراءات مراقبة الأسعار لتجنب إرهاق الصناعة ودفعها إلى خفض إنفاقها على البحث والتطوير أو التسبب في خفض مستويات الإنتاج وظهور شح وعجز في إمدادات الأدوية.

إنشرها