إنما الأمم الأخلاق والذوق

|


من المتوقع في أي مجتمع يمر بتغير اجتماعي سريع أن يواجه اضطرابا مؤقتا في القيم لدى أفراده لفترة معينة، إلى أن يتكيّف المجتمع مع التغيير، ومن ثم يطوّر منظومة القيم القديمة أو يتبنى قيما جديدة أو الاثنين معا. من المؤسف أن هناك ممارسات تحدث على مرأى بعض الأسر ولا يمكن قبولها أو التعايش معها، مثل تصوير الآخرين في الأماكن العامة أو عند تعرضهم لحوادث أو ظروف مؤلمة، علاوة على رمي المخلفات من نوافذ السيارات أو العبث بالمتنزهات وعدم الحفاظ على نظافتها أو قطع الأشجار في الصحاري أو القنص الجائر وقتل الحيوانات البرية دون مبرر، وكذلك الظهور في الأماكن العامة والتسوق بارتداء ملابس غير محتشمة أو ملابس النوم والذهاب للصلاة بهذه الملابس.
قبل أيام قليلة، أقر مجلس الشورى الموقر لائحة المحافظة على الذوق العام التي تتكون من عشر مواد، وتهدف إلى التأكيد على المحافظة على منظومة السلوكيات والآداب التي تعبر عن قيم المجتمع وهويته، والحد من مظاهر الإساءة للذوق العام في الطرق والأماكن والمرافق العامة مع عقوبات محددة لكل مخالفة.وقد جاء ذلك استجابة مشكورة واستشعارا رائعا للتغيرات الاجتماعية والثقافية التي يمر بها المجتمع السعودي وفقا لـ"رؤية المملكة 2030". في الحقيقة، لقد طال انتظار أنظمة واضحة تحفظ الذوق العام والحقوق الشخصية وتحافظ على المرافق العامة والمتنزهات والبيئة الطبيعية. فهذه اللائحة تقطع الطريق أمام الاجتهادات من قبل بعض الأفراد والهيئات والجهات المسؤولة التي كان يعاني منها المجتمع في الماضي.
على الرغم من أهمية جميع مواد هذه اللائحة، فإن هناك بعض المواد التي تبرز أهميتها بدرجة لافتة، مثل المخالفات في حق بيوت الله والإساءة للمرافق العامة والطرق والمنشآت، وتلك الخاصة بحماية الأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة من أي إساءة أو تصويرهم دون إذنهم المسبق، إضافة إلى منع ممارسة التسول أو جمع التبرعات على أبواب المساجد أو داخلها، وكذلك الظهور في الأماكن العامة باللبس الداخلي أو اللبس غير المحتشم. ومن الأمور المهمة جدا منع توزيع المطبوعات على المنازل والمنشآت أو وضع الملصقات الدعائية والإعلانية على الجدران والأبواب والمرافق العامة، خاصة أن توزيع المطبوعات على المنازل يشكل خطرا أمنيا ويشجع على سرقات المنازل وارتكاب الجرائم الأخلاقية.
لا شك أن الحفاظ على قيم المجتمع والرقي بالذوق العام وحمايته من المتهورين والمخالفين يتطلب تضافر جهود المؤسسات التنفيذية، ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب الأسرة والمؤسسات التربوية والتوعوية. فالأسرة هي المؤسسة التي تبدأ عندها عملية غرس القيم النبيلة في المحافظة على الذوق العام واحترام الآخرين، مع ضرورة الحرص على وجود "القدوة الحسنة" لأبنائهم. كما تُعد المدرسة من أهم المؤسسات التي تُسهم في غرس القيم النبيلة في نفوس الناشئة، وترسخها في سلوكياتهم، لذلك ينبغي أن تواكب وزارة التعليم هذا التطور الاجتماعي وتسعى لتعزيز مناهجها التعليمية بما يرفع وعي التلاميذ بالأنظمة ويشجعهم على مراعاة الذوق العام والالتزام بالسلوك المناسب الذي يحترم الآخرين، وذلك عن طريق الأنشطة الصفية وغير الصفية. ولا يقل عن ذلك أهمية دور المسجد في غرس القيم والحث على الفضيلة ومراعاة الذوق العام واحترام الآخرين من خلال خطب الجمعة ووجود القدوة الحسنة بين المصلين.
ختاما، لا شك أن هذه الأنظمة الجديدة ستُسهم في رقي المجتمع وتطوره بإذن الله، لتصبح مخالفة الذوق العام سلوكا مذموما ومكروها من قبل معظم الناس، ما سينعكس إيجابا على صورة المجتمع السعودي لدى المجتمعات الأخرى، خاصة مع الانفتاح على المجتمع الدولي من خلال السياحة والترفيه والاستثمار، وقبل ذلك سيؤدي إلى ارتياح الناس والاستمتاع بحياتهم في بيئة راقية.

إنشرها