FINANCIAL TIMES

إصلاحات ماكرون تستهدف استعادة مجد فرنسا الصناعي

في عطلة نهاية أسبوع، تدفق أكثر من ثمانية آلاف شخص إلى بركة سباحة على طراز فن ديكو في روبيه، وهي مدينة فقيرة في منطقة لم تعد تعتمد على الصناعة الثقيلة، في شمالي فرنسا.
كانت المناسبة إعادة افتتاح متحف بيسين، بعد عملية تجديد بقيمة 9.3 مليون يورو استمرت لمدة عامين.
المسبح، الذي افتتح في عام 1932 حين كانت المدينة في أوج نشاطها كمركز لتصنيع المنسوجات، تم إنشاؤه في الأصل في محاولة لتشجيع عمال المصانع على النظافة وممارسة التمارين.
متحف بيسين هو استعارة ملائمة لعملية تحوّل تجري بشكل تجريبي في روبيه. وهي مكان تكثر فيه التناقضات.
المدينة التي حصلت على تميز مشبوه بحصولها على لقب "أفقر مدينة في فرنسا" في استطلاع للرأي في عام 2014، هي مسقط رأس مهدي نيموشي، وهي أيضا المكان الذي ولد فيه أغنى رجل في فرنسا، قطب الترفيه بيرنار أرنو، والمكان الذي بنت فيه عائلة مولييه إمبراطورية تجارة التجزئة حول سلسلة متاجر أوشان، والعلامة التجارية ديكاثلون.
نسيج صوفي يمتد عبر الجناح يصور شخصيات في مختلف مراحل حصاد القطن، وغسل القطن، والغزل، والنسيج، والصباغة والمعالجة. من سبعينيات القرن الماضي، كما هي الحال في كثير من البلدات والمدن الصناعية في الغرب، فإن هذا التقليد من التصنيع المحلي عُهِد به إلى مصانع أرخص في الأسواق الناشئة.
شركات المنسوجات تعثرت، ما أدى إلى إغلاق المعامل، وتبعها فقدان الوظائف، واضمحلال المناطق الحضرية والتخريب. وكانت مدينة روبيه بمنزلة حكاية تحذيرية حول العولمة.
تحاول المدينة الآن عكس هذه العقود من التراجع. يقول برونو جوديشون، مدير المتحف، "كان هناك وقت عندما كان يأتي الصحافيون إلى روبيه للكتابة عن الصور المظلمة والصعوبات الاجتماعية. الآن هناك قصة عن التجديد الحضري في روبيه. هناك روح قوية لريادة الأعمال مرتبطة بالمدينة؛ لم تعد مكانا يستسلم للصعوبات".
محاولة تجديد مدينة روبيه تسبق إصلاحات الرئيس إيمانويل ماكرون الهيكلية والاقتصادية، ولا سيما خطواته لتحرير سوق العمل المتصلبة في البلاد.
مع ذلك، فإن القدرة على إحياء مثل هذه المدن في جميع أنحاء فرنسا مهمة لنجاح رئاسته ومستقبل البلاد.
راهن ماكرون على برنامج إصلاحي طموح لإحياء ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو وخفض معدل البطالة المرتفع بعناد فيها، الذي يحوم حول أكثر من 9 في المائة.
الآن، بعد مرور سنتين على رئاسته، بدأ صبر الناخبين ينفد. حكومته تقف الآن في مواجهة حركة السترات الصفراء. ما بدأ كحملة على الإنترنت ضد ارتفاع تكاليف الوقود، تحول إلى احتجاجات أوسع نطاقا ضد الضرائب المرتفعة وتدني مستويات المعيشة.
إذا نجحت عمليات تجديد أماكن مثل مدينة روبيه، فإنها يمكن أن تمثل دراسات حالة لنهضة ما بعد تراجع التصنيع في المناطق. أما إذا فشلت، وتم تركيع الحكومة بسبب حركة السترات الصفراء، فقد يغذي ذلك زخما يدعم الأحزاب المتطرفة مثل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف "حزب الجبهة الوطنية سابقا" الذي خسرت زعيمته مارين لوبن الانتخابات لمصلحة ماكرون قبل 19 شهرا.
يقول كزافييه بيرتران، وهو وزير سابق من يمين الوسط ورئيس منطقة أوت دو فرانس "التحدي هو كيفية تجنب صعود التطرف السياسي – ليس للحفاظ على السلطة بل لتحويل بلادنا. المعركة ضد الصدوع الإقليمية والاجتماعية والصراع بين الأجيال، والوصول إلى التوظيف، ضرورية. لا يمكن أن يكون لدينا فرنسا تستمر في التمزق".
هناك أسباب للتفاؤل في مدينة روبيه: شركة أو في إتش OVH للبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، تحول مصانع المنسوجات السابقة في المدينة إلى مراكز بيانات وأنشأت أكثر من ألف وظيفة في المنطقة؛ وبإحياء شركة التجزئة المحلية لا ريدوت باتت شركة تجارة إلكترونية على أحدث طراز؛ ضمن خطة تنمية حضرية طموحة من قِبل عمدة المدينة.
يقول نيكولابوزو، مؤسس مركز استرس Asterès للبحوث الاقتصادية، "هناك عملية تدمير إبداعية في روبيه: تدمير الاقتصاد القديم وإنشاء اقتصاد جديد. المفتاح كان دور الحكومة المحلية عبر قبول موت الاقتصاد القديم".
بالنسبة إلى كثيرين في روبيه، هذا التركيز على الثقافة والابتكار التكنولوجي والتجديد الحضري بعيد جدا عن اهتماماتهم اليومية.
لا يزال أكثر من 40 في المائة من سكان المدينة البالغ عددهم 96 ألف نسمة يعيشون تحت خط الفقر، ومعدل البطالة يبلغ 30 في المائة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المتوسط الوطني.
"روبيه هي الأزمة"، كما يقول مالك مقهى محلي، الذي يعيش هنا منذ ثلاثة عقود. "لم أر أي تغييرات إيجابية في الوقت الحالي. كنا نطلق على روبيه اسم مدينة الألف مدخنة الآن تم إغلاق كثير منها".
السكان يواجهون صعوبات يومية، مثل "مشكلات الأمن، وكثير من المهاجرين. التحديات التي يواجهها الناس هنا هي العثور على عمل وتعاني الشركات عدم توافر الوظائف، واستعادة بعض الأمن".
الجدران التي تحيط بمباني شركة أو في إتش في منطقة صناعية خارج روبيه مغطاة بأسلاك شائكة. يجب على الزوار المرور عبر مجموعتين ثقيلتين من الأبواب المثبتة بالمعادن، للوصول إلى مبان شاسعة غير مميزة خلف تلك الأبواب. عند الفحص الدقيق، هي مصانع منسوجات سابقة، تم منحها حياة جديدة كمراكز بيانات من قِبل شركة البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات.
الشركة التي تأسست قبل عقدين من الزمن من قِبل أوكتاف كلابا، وهو مهاجر بولندي جاء إلى فرنسا عندما كان مراهقا، خرجت من الأرض القاحلة بسبب التراجع الصناعي في روبيه، لتصبح واحدة من أبرز قصص نجاح ريادة الأعمال في البلاد.
سجلت الشركة إيرادات تزيد على 500 مليون يورو وتتوقع الوصول إلى مليار يورو خلال عامين إلى ثلاثة مقبلة. في جولتها الأخيرة من التمويل تم تقييم شركة أو في إتش OVH بما يزيد على مليار دولار، ما يجعلها واحدة من "وحيدات القرن" في فرنسا.
موقف السيارات في المقر الرئيس يفيض بالسيارات، يعاني من أجل مواكبة التوسع السريع للمجموعة. في الداخل، المباني التي كانت فيما مضى تهتز من الرنين الميكانيكي للأنوال، وآلات الحياكة أصبحت مليئة بصفوف لا نهاية لها من الرفوف، حيث يتم تخزين عدة جيجابايت من البيانات في خوادم بالنيابة عن شركات مختلفة.
هذه الخوادم مجتمعة – إضافة إلى ملايين الخوادم الأخرى حول العالم – تشكل ما يعرف باسم السحابة: العمود الفقري لحياتنا الحديثة على الإنترنت.
الشاشات في غرفة التحكم المركزية للشركة تراقب 28 مركزا للبيانات تمتد عبر أربع قارات، من روبيه إلى سيدني.
كلابا، الذي يرتدي زيه اليومي من الجينز والحذاء الرياضي وقميص الشركة الذي يحمل شعارها "الابتكار هو الحرية"، يختلط مع القوة العاملة الشابة في المبنى الواقع في مدينة روبيه.
عندما وصل إلى شمال فرنسا بعد سقوط جدار برلين في عام 1989، لم يكن يعرف كلمة واحدة من اللغة الفرنسية، لكنه كان مهتما بتكنولوجيا الكمبيوتر، وبعد مغادرة كلية الهندسة، بنى خوادم بتمويل من قرض بقيمة خمسة آلاف دولار من والديه.
الدوائر الداكنة تحت عينيه تشهد على الأيام والليالي القاسية التي عمل فيها للمساعدة على تنمية شركته التي تختص باستضافة المواقع الإلكترونية، لتصبح مجموعة هي الآن الشركة العالمية غير الأمريكية الوحيدة لتزويد الخدمات السحابية. تتنافس شركة أو في إتش OVH مع شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة مثل أمازون ومايكروسوفت، ولديها 1.5 مليون زبون و2200 موظف على مستوى العالم.
تمت استضافة خوادم الشركة في البداية في مراكز بيانات في باريس، وسرعان ما نمت الشركة بسرعة كبيرة لدرجة أنها أرادت بناء خوادمها، وفي أوائل العقد الأول من الألفية أقام كلابا مقرها الرئيس في مدينة روبيه.
مصانع المنسوجات المهجورة في المدينة قدّمت المساحة التي يحتاج إليها تماما. يتذكر كلابا قائلا، "كان كثير من الناس يقولون لي، (لماذا تؤسس شركة في من وليس من باريس)؟ هذا هو المكان المثالي لتكون مهما في أوروبا... وهناك شبكة لربط مراكز البيانات بعواصم أوروبية مختلفة".
يقول "إنه كان منجذبا للمساعدة في تغيير حظوظ المدينة. كان الأمر أيضا يتعلق بإيجاد شيء من مدينة لن يراهن أي شخص عليها... كان هناك كثير من الفقراء، لم يكن هناك أمل. الأمر يتعلق بشركة توجد مثل هذا الأمل بهذه الموجة الجديدة من الابتكارات".
يشير كلابا إلى المكان بأنه "وادي روبيه" في إشارة إلى قريبه أكبر وأكثر إشراقا في كاليفورنيا أي وادي السيليكون. في حين إن شركة أو في إتش هي مصدر فخر بين البعض في المجتمع المحلي، إلا أنها تظهر التوترات بين القوة العاملة المتنقلة الذكية رقميا، وسوق العمل المحلية التي لا تتمتع بالمهارات إلى حد كبير.
يقول هنري نيرينك، الذي يدير صيدلية في الحي المرهق بالقرب من الشركة خلال العقدين الماضيين "روبيه تتغير. كانت هناك ديناميكية جديدة في الأعوام القليلة الماضية، خاصة حول الثقافة، وقد دعمنا وصول الشركات والصناعات والمهارات الجديدة.
الأمر معقد... لكي تصبح شركة معروفة في منطقة ما، يجب أن تعرف الناس الذين يعملون هناك. توظف شركة أو في إتش عددا قليلا من الناس المحليين، ولا تبيع أي شيء يمكنهم شراؤه. الشركة تعيش بين نفسها".
كما يمثل نمو الشركة أيضا تحديا آخر بالنسبة إلى السلطات المحلية: جذب الأشخاص للعمل في المدينة هو أمر، لكن إقناعهم بالعيش هناك هو أمر آخر.
مبنى الشركة مستقل ويوفر كل شيء من مقصف مدعوم إلى دار حضانة، ما يعني أن الموظفين لا يعتمدون على الخدمات المحلية. كلابا، عندما لا يكون مسافرا، يعيش بين باريس وواسكال، وهي بلدة بالقرب من مدينة روبيه.
كان جيرمان ماس أحد أوائل موظفي الشركة ويتولى الآن منصب نائب الرئيس لهندسة الشبكات، فهو لا يعيش في روبيه بل في حي مارك آن بارول، وهو أحد ضواحي مدينة ليل.
يقول "روبيه ليست مدينة حيوية للغاية. بصراحة، يفضل الناس العيش في الخارج. فهم إما يفضلون العيش في الريف ويأتون بالسيارة، أو بالنسبة إلى الشباب، يبحثون عن كثير من الأنشطة، والطريقة الوحيدة هي أن يكونوا في مدينة ليل.
زملاؤنا الأصغر سنا يعيشون في مدينة ليل، لأن لديهم دور السينما، والحفلات الموسيقية والمطاعم. ولا يمكنهم فعل ذلك في روبيه في الوقت الحالي. إنها تتغير ولم تصل إلى ذلك المستوى حتى الآن".
من منظور التوظيف، قد يكون من الصعب على الشركة اجتذاب المواهب. يقول ماس إن مدينة روبيه لا تتمتع بالجاذبية الفورية التي تتمتع بها مدن مثل باريس، أو برلين، أو لندن، أو نيويورك أو سان فرانسيسكو. "تعالوا إلى روبيه. روبيه ماذا؟ هذا هو الجانب السلبي".
على بُعد بضعة مئات من الأمتار من الشركة وعشر دقائق فقط سيرا على الأقدام من وسط مدينة روبيه توجد مقاطعة بايل، وهي واحدة من أفقر مناطق المدينة: صفوف كثيفة من المنازل المهجورة المبنية من الطوب الأحمر كانت فيما مضى تستضيف عمال المصانع.
هذه المباني تعطيك إحساسا بالفوضى وعدم الانتظام، حيث تتداخل المساكن والمصانع السابقة.
الأزمات الاقتصادية المتعاقبة تسببت في خسائر فادحة، ما أدى إلى إغلاق المتاجر والشركات المحلية.
هناك جزار يبيع اللحم الحلال يعرض ثلاث دجاجات كاملة بسعر عشرة يوروات؛ كثير من المباني عليها لافتات تقول "إنه سيتم هدمها لإفساح المجال للمناطق العامة والمساحات الخضراء".
داخل أحد هذه المنازل، بدأ البناءون في العمل، حيث هدموا الجدار الذي يؤدي إلى الحديقة الصغيرة، مجموعة من الحطام والقماش وكثير من الصناديق الدوارة بدواليب.
سيحتفظون بالبلاط الذي يعود إلى القرن الـ19 يغطي الطابق الأرضي – بالكاد مرئي تحت الأنقاض – لكنهم سيحولون بقية العقار المكون من طابقين كجزء من مشروع "إسكان اليورو الواحد" الطموح، الذي يهدف إلى بعث الروح في سوق الإسكان في المدينة.
بإلهام من "أرخص شارع في بريطانيا" في ليفربول، حيث يبيع المجلس المنازل مقابل جنيه واحد لأشخاص تعهدوا برفعها إلى المستوى العام، تطلق مدينة روبيه مبادرة مماثلة.
السلطات المحلية تختار مالكين للعقارات الـ17 التي تم اختيارها للمشروع، حيث سيكون كل منهم قادرا على شراء منزله مقابل يورو واحد، بشرط أن يدفعوا تكاليف التجديد والاحتفاظ بها لمدة لا تقل عن ستة أعوام. حتى الآن، تم اختيار 13 عائلة من أصل 17 عائلة.
من مكتبه في أوتيل دي فيل Hôtel de Ville، المتألق بالثريات والأرضيات الخشبية، يحدد العمدة جيوم دلبار تفاصيل المشروع.
ويقول "الهدف هو تجربة يمكن تطويرها بعد ذلك على نطاق أوسع".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES