FINANCIAL TIMES

الصين تستحوذ على 17 % من ناتج العالم في 2040

تتوقع شركة استشارية رائدة أن حصة الصين من الإنتاج العالمي، لن تنخفض على مدى العقدين المقبلين، ما يعكس توقعات جيل لم يشهد على الإطلاق سوى صعود أهمية الصين، لا يمكن وقفها.
بحلول عام 2040 ستمثل الصين 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تم قياسه على أساس معادِل القوة الشرائية، أي أقل من وزنها الحالي البالغ 19 في المائة، وذلك وفقا لنيل شيرينج، كبير اقتصاديي مجموعة كابيتال إيكونوميكس، بعد أن تبلغ ذروتها بنسبة 20 في المائة، في منتصف العشرينيات من الألفية.
الانعكاس الصغير المتوقع اللافت للنظر في صعود الصين العجيب منذ انفتاحها على العالم قبل 40 عاما، يرجع إلى حد كبير إلى انخفاض متوقع بنسبة 12 في المائة في عدد سكانها، الذين هم في سن العمل بحلول عام 2040.
قال شيرينج "عدد سكان الصين في سن العمل بلغ ذروته في عام 2013، وستبدأ العمالة في التقلص قريبا، ربما يكون هذا العام، وهو ما سيشكل رياحا عكسية متزايدة بالنسبة إلى النمو الاقتصادي".
بالاقتران مع رياح عكسية هيكلية أخرى – مثل طفرة استثمار مفرط عززت النمو في الأعوام الأخيرة، إلا أنها أدت إلى ضخ كثير من الموارد فوق الحد في أجزاء غير منتجة نسبيا من الاقتصاد – هذا يعني أن معدل النمو المستدام في الصين سينخفض إلى 2 في المائة فحسب، بحلول أواخر العشرينيات من الألفية، بحسب توقعات شيرينج.
علاوة على ذلك، تشير حسابات الشركة الاستشارية إلى أن عدد سكان الصين الذي يشيخ بسرعة، نتيجة سياسة الطفل الواحد فيها، وعدم توفير مخصصات تقاعدية من القطاع الخاص، يعني أنه بدون إصلاح، فإنها في سبيلها إلى إنفاق 9.5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على المعاشات التقاعدية، وهي شريحة أكبر مما هي في البلدان المتقدمة مثل اليابان وبريطانيا والولايات المتحدة بحلول عام 2050.
حققت الصين خطوات عجيبة منذ عام 1980، عندما كانت حصتها من الاقتصاد العالمي 2.3 في المائة فحسب من حيث معادِل القوة الشرائية، إلا أن من رأي شيرينج أن هذا التقدم يتلاشى.
وقال "في رأينا أن الصين ستخرج عن مسار التطور السريع الذي وضعته نجوم النمو الآسيوية، أي اليابان وكوريا وتايوان. تشير توقعاتنا إلى أن الصين ستبقى أكثر فقرا بكثير من جميع الاقتصادات المتقدمة الرئيسة، حيث إن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها يبلغ نحوالي ثلث نظيره في الولايات المتحدة".
يشير تحليل "كابيتال إيكونوميكس" إلى مستقبل صعب بالنسبة إلى كثير من بلدان الأسواق الناشئة. وفي حين إن كثيرا من مختصي الاقتصاد وصناع السياسة يعملون على افتراض أن البلدان النامية، بشكل عام، ستعمل تدريجيا على تضييق فجوة الدخل بينها وبين الاقتصادات المتقدمة، بفضل النمو الأسرع في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن الشركة الاستشارية تشير إلى أن التقارب سينقلب في الواقع على مدى الأعوام الـ20 المقبلة في بعض البلدان.
تعد المكسيك البلد الرئيس الوحيد في أمريكا اللاتينية، الذي من المرجح أن يزيد فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي كنسبة من نصيب الفرد في الولايات المتحدة "بمعادِل القوة الشرائية" في الفترة حتى 2040.
من المتوقع أن تتراجع البرازيل والأرجنتين بحسب هذا المقياس، حيث يتعرض نمو الإنتاجية إلى التقييد بسبب انخفاض معدلات الاستثمار، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ضعف معدلات الادخار، التي تعني أيضا أن أسعار الفائدة الحقيقية من المرجح أن تبقى عالية.
يقول شيرينج "إن آفاق كولومبيا مظلمة بسبب حقيقة أنها من المقرر أن تستنفد نفطها الخام، صادرها الرئيس، في غضون نحو خمسة أعوام".
من المتوقع أيضا أن ينقلب التقارب في جنوب إفريقيا، فبقية بلدان جنوب الصحراء الكبرى "ستحقق قليلا من التقدم من حيث التقارب مع الاقتصادات الأكثر تقدما"، حيث يتعرض نمو الإنتاجية للعرقلة، بفعل معدلات استثمار منخفضة، وضعف المؤسسات وانعدام التكامل القاري.
على الرغم من أن معدلات النمو الرئيسة في بلدان جنوب الصحراء الكبرى قد تبدو ثابتة، إلا أن نصيب الفرد من الدخل سيرتفع بسرعة أقل، حيث تتوقع الأمم المتحدة ارتفاع عدد سكان المنطقة من مليار هذا العام إلى 1.7 مليار في عام 2037.
كما يتوقع شيرينج أيضا ثبات نصيب الفرد من الدخل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كنسبة من نصيب الفرد في الولايات المتحدة، على مدى العقدين المقبلين، فيما يمثل المغرب الاستثناء الوحيد، إذ نجحت في وضع نفسها في مكانة أحد مراكز التصنيع الخلفية لأوروبا.
كذلك من المتوقع أن يتوقف تقارب الدخل في روسيا أيضا، بسبب بيئة العمل الضعيفة واحتمال انخفاض أسعار النفط من حيث القيمة الحقيقية، على الرغم من أن بقية أوروبا الشرقية قد تحقق أداء أفضل، في الوقت الذي يتيح لها اندماجها في سلاسل التوريد في أوروبا الغربية، ارتفاع الدخل جراء سلاسل التوريد في الغرب.
ومن المتوقع أن تكون تركيا بقعة مضيئة أخرى، بفضل زيادة مشاركة القوة العاملة، ولا سيما من النساء.
مع ذلك، فإن معظم قصص النجاح من المرجح أن تكون في آسيا، حيث من المتوقع أن تعمل الهند على مضاعفة حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 8 في المائة إلى 15 في المائة، بحلول عام 2040، أما بقية آسيا الناشئة "باستثناء الصين والهند" فمن المرجح أن تتوسع بنسب تراوح بين 10 في المائة و12 في المائة.
يتوقع شيرينج أن تحافظ الهند على نمو سنوي مستدام بنسبة 5-7 في المائة في العقدين المقبلين، ومن المحتمل أن يسمح لاقتصادها بأن يزيد ثلاثة أضعاف من حيث الحجم.
الهند في سبيلها إلى انتزاع مكانة الصين كدولة لديها القوة العاملة الأكبر بحلول عام 2025، وذلك وفقا للأمم المتحدة، مع توقع ارتفاع معدل توظيف الإناث من مستوياته الحالية المنخفضة جدا.
ارتفاع معدلات الإدخال والاستثمار والتقدم التدريجي للإصلاح الهيكلي ينبغي أن يساعدا أيضا.
من المتوقع أيضا أن تحقق فيتنام تقدما، بفضل التحسن في بيئة العمل، والاستقرار السياسي، والأجور المنخفضة، والهجرة المستمرة للصناعات الخفيفة من الصين إلى أراضيها.
قال شيرينج "حين تنظر إلى توقعات البنك الدولي، وتذهب للتحدث مع العملاء وتعرف ما تفكر فيه السوق، يتوقع معظم الناس تقارب الأسواق الناشئة. وهذا هو ما تفعله".
"هذا ينجح بشكل جيد من الناحية النظرية، عندما ننظر إلى الناحية العملية، فإن النصف الثاني من التسعينيات والعقد الأول من الألفية، عندما شهدت معظم الأسواق الناشئة نموا قويا، كان في الواقع مجرد حالة شاذة.
القاعدة ليست أن تتقارب الأسواق الناشئة، بل على العكس، فهي لم تتقارب في الخمسينيات، أو الستينيات، أو السبعينيات أو بالتأكيد في الثمانينيات" حسبما يقول.
"نحن نعود إلى القواعد التاريخية. بعض الأسواق الناشئة ستحصل على اندفاعات مفاجئة للنمو اللحظي، وأخرى ستواجه مشكلات هيكلية تعمل على إبطاء النمو فيها، فيما يتراجع البعض منها" وفقا لشيرينج.
لا يتفق الجميع على أن حصة الصين من الإنتاج العالمي ستبدأ الانخفاض في أي وقت قريب.
آدم سليتر، كبير الاقتصاديين في "أكسفورد إيكونوميكس"، قال "إنه فوجئ بالتوقعات، حيث إن حساباته تشير إلى أن الصين ستحصل على حصة 24.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، على أساس معادِل القوة الشرائية، بحلول 2040، ما يؤدي إلى زيادة نصيب الفرد من الدخل فيها من 28.6 في المائة من مستويات الولايات المتحدة، في الوقت الحالي، إلى 54.9 في المائة بحلول عام 2040".
تستند أرقامه إلى فكرة أن النمو الصيني سيتباطأ إلى 4 في المائة بحلول أوائل الثلاثينيات من الألفية، و3.5 في المائة بحلول عام 2040، وهي نسبة أعلى بشكل مريح من نسبة 2 في المائة التي تشير "كابيتال إيكونوميكس" إلى أنها ستتحقق في أواخر العشرينيات من الألفية.
قال سليتر "إذا انخفض نمو الصين إلى 2 في المائة في وقت قريب، فسيكون هذا تراجعا مبكرا بشكل غير عادي. وفي حين إن هذا السيناريو ليس مستبعدا، إلا أنه توقع كبير جدا أن يحدث لبلد مثل الصين، لديه هذا المستوى من نصيب الفرد من الدخل".
"إنه ليس سيناريو غير قابل للتصديق، إلا أنه يقع في أسفل النطاق، ولا بد أن تكون متشائما على نحو لا بأس به، كي تتوصل إلى هذا المعدل".
يستند تحليل "أكسفورد" إلى انخفاض بنسبة 10 في المائة في القوة العاملة الصينية بحلول عام 2040، أقل قليلا من تحليل "كابيتال" البالغ 12 في المائة، حيث يقول سليتر "إن الدليل من اليابان هو أن حجم القوة العاملة يمكن أن يكون أكثر مرونة مما يعتقد عادة، حيث تشهد اليابان ارتفاعا حادا في مشاركة من الفئة العمرية 65-75، في قوة العمل".
أما بالنسبة إلى الإنفاق المقترح على المعاشات التقاعدية، فيرى: "إذا حدث شلل إلى هذه الدرجة، فإن من شأنه أن يغير النظام، كما أرى".
في حين إن سليتر قبِل وجود درجة من سوء تخصيص الموارد في الصين، إلا أنه يقول "إن هناك كثيرا من الاستثمار ذي الكفاءة في الصناعات الجديدة أيضا".
على نطاق أوسع، قال "إن الصين لا تزال تشكل فرصة لحاق هائلة، بسبب مستويات الدخل المنخفضة نسبيا فيها".
هونج تران، العضو التنفيذي في معهد التمويل المالي، وهو هيئة للصناعة، اتخذ مسارا وسطيا، حيث قال "إن من الصعب معرفة في أي مرحلة ستبدأ الصين التقلص كنسبة إلى الاقتصاد العالمي إلا أن ظاهرة أن تصبح الصين أكبر كل عام، من المحتمل أن تصل إلى الذروة ومن ثم تبدأ في التراجع مع مرور الوقت"، مضيفا "إنهم من المرجح أن يكبروا في السن قبل أن يصبحوا أثرياء".
وجهة نظر "كابيتال إيكونوميكس" هي أن تقارب الأسواق الناشئة الأوسع، من غير المرجح أن يحصل على مزيد من الدعم.
جادل تران بأن معدلات النمو في الأسواق الناشئة "ستتباطأ مع مرور الوقت"، ومع اتباع النمط الذي حددته الاقتصادات الناضجة، من المحتمل أن تتجه معدلات النمو نحو نسبة 2 في المائة بحلول 2060.
باستثناء الهند ومعظم إفريقيا، قال "إن معظم بلدان الأسواق الناشئة لديها الآن مشكلة شيخوخة السكان، مع تباطؤ معدل نمو سكانها في سن العمل".
أما سليتر فيرى أن "التقارب ليس أمرا يحدث بفعل السحر. الأرجنتين هي مثال جيد على ذلك، حيث إنها كانت تتباعد منذ قرن. هناك أيضا بلدان في إفريقيا ينطبق عليها ذلك، كانت بمعدلات نسبية في الستينيات، في وضع أفضل مما هي عليه الآن"، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وهو يتوقع أن روسيا من شأنها أن تخفق في التقارب باتجاه مستويات الدخل الأمريكية، بسبب الأثر السلبي لـ"تشكيلة سكانية فظيعة"، في حين إن من المرجح أن تتمتع البرازيل وجنوب إفريقيا بتقارب محدود، على الرغم من أنه كان أكثر تفاؤلا حول الخليج.
قال شيرينج "معظم السرد يدور حول القرن الصيني أو الهندي أو الإفريقي. على أن من الصعب على الأسواق الناشئة أن تحاكي الصين وكوريا الجنوبية من خلال النمو في التصنيع، لأن حصة التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي العالمي تتراجع بشكل لا هوادة فيه، وبالتالي فإن القدرة على النمو والتطوير من خلال إنتاج المواد، تشهد تراجعا كذلك".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES