FINANCIAL TIMES

طلب الطريقة الصحية لإطعام ملايين في اليابان

هنالك كثير من الجوانب التي تميز النظام الغذائي الياباني، تساعد على تفسير العمر الطويل الذي يعيشه مواطنو ذلك البلد، خصوصا كثرة استعمال الخضراوات والحبوب، بشكل أكبر من استهلاك الدهون المشبعة والأطعمة المعلبة.
من الخصائص التي لا تناقَش على نطاق واسع، على الرغم من أنها ذات فوائد واسعة النطاق: تنوع الأطعمة.
عندما كانت صديقتي اليابانية في طفولتها، تعلمت من أسرتها أنه ينبغي أن تحتوي وجبات الطعام التي يتم تناولها في اليوم الواحد على 25 مكونا ولونا ومقوما.
لم يكن نظامها الغذائي صحيا ومثيرا للاهتمام فحسب، بل كان أيضا دلالة وتأييدا لنظام إنتاج غذائي أكثر توازنا في بلدها.
في كل أنحاء العالم، تتجه العادات الغذائية صوب الاتجاه المعاكس، حيث إن الإفراط في الاستهلاك تقابله خيارات غير مناسبة ومصنعة ومعيارية ذات طابع أضيق.
في الوقت الذي يعاني فيه مليار شخص الجوع في مختلف أنحاء العالم، يأكل ضعف هذا العدد، كميات فوق الحد من المواد الغذائية غير السليمة.
تكثر الروايات حول البيوت التي اختفت منها الأماكن المخصصة لتناول وجبات الطعام من قبل الأسرة وتجاذب أطراف الحديث، وحتى المطابخ أيضا. وبدأ الأطفال والأشخاص البالغون يلتهمون وجبات الطعام السريعة، في جلسات منفصلة على الأريكة وأمام الهواتف الذكية.
تضاءلت المعرفة الأساسية بأصول الطبخ: فقد تم التخلي عن تدريس مادة "الاقتصاد المنزلي" في المدارس الابتدائية، فالمساقات التي تعنى بتقديم الطعام تركز على النظرية والسلامة والصحة، لكنها تسير ببطء أكثر نحو تحفيز الطلبة ليطبخوا بالفعل.
هناك عدد متزايد من برامج الطهي التلفزيونية، يبدو أنه يتناسب عكسيا مع الوقت الذي يقضيه الناس في المطبخ.
كما أن المستهلكين في البلدان الغنية "بمن فيهم كثير من الفئات الأكثر فقرا في المجتمع" يتناولون طعامهم في الخارج بشكل أكبر، وينفقون مالا أكثر على وجبات جاهزة ترتفع فيها نسبة الأملاح والمواد المضافة، علاوة على مضاعفات التغليف.
وهذا جزئيا أحد الآثار الجانبية المترتبة على اتجاه إيجابي، وهو ارتفاع عدد النساء اللواتي يحظين بفرص اقتصادية أكبر من ذي قبل، ووقت وضغط اجتماعي أقل لقضاء ساعات غير مدفوعة في التسوق والطهي.
كما أنه أيضا نتيجة لدورة مكثفة من "الطعام السريع" بكل معنى الكلمة.
هنالك عواقب مترتبة على هذه الأنماط، على اعتبار أن الأطعمة المصنعة والمعالجة تزيد من مخاطر التعرض لأمراض القلب والسرطان وغيرها من الأمراض الأخرى، وهي عوامل بدأت في عكس مسار المكاسب المتحققة من حيث طول العمر المتوقع في بلدان تقودها الولايات المتحدة.
أظهرت دراسة شملت نحو 45 ألف مواطن فرنسي على مدى عقد، وجود ارتباط بين المعالجة المعلبة والوفيات.
في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، قدرت لجنة لانسِت حول الأنظمة الغذائية الصحية، القائمة على أنظمة غذاء مستدامة، أن الأنظمة الغذائية غير الصحية يمكن أن تتسبب فيما يصل إلى 11 مليون حالة وفاة مبكرة، يمكن تجنبها على الصعيد العالمي كل عام، ما يشكل خطرا أكبر للتعرض للمرض والوفاة والممارسات المخلة وإدمان الكحول وتعاطي المخدرات وتدخين التبغ معا.
كما أن لممارسات إنتاج الغذاء آثارا في الكوكب، ما يسهم في التغير المناخي والتلوث الكيميائي.
تستأثر الزراعة بما نسبته 40 في المائة من استخدام الأراضي في العالم، و30 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة و70 في المائة من استخدام المياه العذبة.
وهذا يشتمل على كثير من الإنتاج غير اللازم، نظرا إلى هدر الطعام بكميات لا يستهان بها.
هناك مطالب بتبني غذاء وأنظمة غذائية خاصة تعتمد على عدد قليل من المنتجات، ما يعمل على تخفيف الضغط على التنوع البيولوجي كي لا تنشأ نقاط ضعف جديدة.
يجري تحويل الأنظمة الأيكولوجية الطبيعية إلى أراض زراعية ومراع للماشية، ما يهدد السلالات البرية، إذ يعمل النيتروجين والفسفور في الزراعة على قتل الحياة المائية.
سلط تقرير صدر الشهر الماضي عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الضوء على أن 40 نوعا من الحيوانات، تدر الغالبية العظمى من الحليب واللحوم والبيض للإنسان، مع تعرض كثير من الأنواع الأخرى للخطر.
من أكثر من 14 ألف نوع من النباتات الصالحة للأكل، يتم استخدام ما بين 150 إلى 200 نوع فحسب، من قبل الإنسان وثلاثة أنواع لا غير: الأرز والقمح والذرة، تمثل ما نسبته 60 في المائة من جميع السعرات الحرارية التي يستهلكها الإنسان. الأمراض يمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة تتعلق بالإمدادات.
من المنتظر أن تؤدي مشكلة التغير المناخي إلى خفض الإنتاج في المناطق القريبة من خط الاستواء، وبحسب بعض التقديرات ستؤدي إلى إحداث تراجع بنسبة 8 في المائة في المتوسط في المحاصيل الزراعية في أنحاء إفريقيا وجنوب آسيا بحلول عام 2050. وهذا يتفاقم حاليا بسبب الممارسات الزراعية.
مع ذلك، ومع ازدياد التوجه نحو المدن، بدأ البشر يخسرون بشكل متزايد صلتهم بالمناطق الريفية والزراعة، بحيث أصبحوا غير مدركين للآثار المترتبة على مطالبهم المتزايدة على الغذاء، والأساليب المستخدمة والأضرار التي تصيب الزراعة، بشكل متزايد.
إحداث انقلاب في المسار لن يكون بالأمر السهل، إذ يجب على الحكومات والجهات المنظمة أن تلعب دورا أكثر تدخلا، بدءا من الاستثمار في التعليم الأساسي وتشجيع الطهي وتحسين التغذية، وصولا إلى فرض تعليمات أكثر صرامة على الإعلانات المتعلقة بالأغذية غير الصحية، وفرض ضرائب على المكونات غير الصحية.
ينبغي أن يكون سعر الغذاء دلالة على تكاليف إنتاجه الحقيقية، بما في ذلك العبء البيئي الأوسع نطاقا المتعلق بأساليب الإنتاج المتبعة حاليا.
وينبغي للمؤسسات العامة – بما فيها المكاتب والمدارس والمستشفيات – أن تكون القدوة من خلال تقديم وجبات طعام صحية أكثر إلى الموظفين والزائرين.
تحتاج شركات الأغذية الزراعية الآن إلى أن تستثمر في أشكال الإنتاج التي تكون مكثفة أكثر "أي الحصول على أعلى النواتج بأدنى التكاليف"، وأقل ضررا على التنوع الحيوي. ويلزم أن تكون هنالك استثمارات كبيرة في أنواع جديدة تكون أكثر مقاومة للتغير المناخي.
كما تحتاج المطاعم ومحال السوبرماركت أيضا إلى خفض الهدر، بما يشمل تقديم مواد غذائية بأحجام مناسبة.
يجب على الناس تحمل المسؤولية أيضا، بالتحول بعيدا عن استهلاك اللحوم والألبان، والتكيف مع المذاقات الجديدة، وخفض الهدر وتقدير قيمة "الطعام البطيء" من خلال الطهي والهضم معا.
من دون وجود أنظمة غذائية متنوعة وأكثر إبداعا وطرق أخرى لتناول أطعمة صحية أكثر، كما توصلت الدراسة التي أجرتها لجنة لانسِت، ستنتهي بنا الحال إلى نظام غذائي ضعيف وكوكب ضعيف.
أليس من الأفضل أن نتحدث عن هذا الموضوع، فيما نحن جالسون حول مائدة العشاء مع الأسرة، فيما نتناول وجبة طعام أعدت للتو؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES