FINANCIAL TIMES

«كوكتيل» تضخمي يهدد بتقليص تنافسية أوروبا الوسطى

على الرغم من أن معدلات البطالة في اقتصادات دول أوروبا الشرقية هي الأدنى في أوروبا، إلا أن معدل نمو الأجور هو الآن عند أعلى مستوياته منذ عقد من الزمن، وإن كانت وتيرة النمو الاقتصادي تسير فوق القدرة الكامنة.
هذه جميعا مكونات كوكتيل تضخمي، إلا أن اقتصادات أوروبا الوسطى والشرقية بالكاد، يمكن القول إنها قد شهدت تزحزحا في الأسعار خلال العامين الماضيين.
بالمثل، فإن أسعار الفائدة تقبع الآن عند أدنى مستوياتها على الإطلاق، مع عدم وجود علامة على الذعر بين البنوك المركزية في المنطقة "جمهورية التشيك هي الاستثناء، مع بعض التشديد خلال الأشهر الـ18 الماضية".
والسؤال المطروح هو ما إذا كان التشدد في أسواق العمل سيغذي معدل التضخم الأساسي، ويدفع البنوك المركزية إلى زيادة أسعار الفائدة. المكاسب في الأجور تدفع منذ الآن تكاليف العمالة إلى الأعلى وتضعف القدرة التنافسية.
تتناقض ديناميكيات النمو في المنطقة بشكل حاد مع الفترة الأخيرة من النمو المرتفع في الأجور خلال 2007-2008.
في ذلك الوقت، كانت المنطقة في منتصف طفرة ائتمانية، وكان التضخم أعلى بكثير من أهداف البنوك المركزية، وكانت دورات التشديد في السياسة النقدية، تمضي بلا هوادة، على قدم وساق.
البطالة هي أيضا أدنى بشكل أساسي مما كانت عليه خلال الطفرة الأخيرة في الأجور. معدل البطالة في جمهورية التشيك البالغ 2.1 في المائة هو الأدنى في الاتحاد الأوروبي، في حين إن المعدلات في كل من بولندا والمجر ورومانيا دون 4 في المائة.
منذ انضمام بلدان أوروبا الوسطى إلى الاتحاد الأوروبي منذ نحو 15 عاما، انخفض إجمالي العمالة المتاحة، ويعزى ذلك جزئيا إلى الهجرة.
هذا واضح للغاية في بولندا، حيث انخفض عدد السكان في سن العمل بأكثر من 8 في المائة "أو 2.2 مليون شخص" اعتبارا من الربع الثالث من العام الماضي، على الرغم من تدفق العمال من أوكرانيا.
يبلغ عدد السكان في سن العمل في المجر 7 في المائة مقارنة بعام 2004، بينما يقل عدد السكان في جمهورية التشيك عن 5 في المائة. كما انخفض عدد سكان سلوفاكيا، لكن بمعدل أقل من البلدان الأخرى.
يلاحظ جيورجي كوفاكس، رئيس "اقتصاديات أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا الناشئة" في بنك يو بي إس في لندن، أن التشدد في سوق العمل في المنطقة هيكلي جزئيا بسبب الشيخوخة وعدم التطابق في المهارات.
أدت الزيادة الحادة في معدلات المشاركة – حصة السكان في سن العمل الذين يبحثون بنشاط عن عمل – إلى تعويض الانكماش جزئيا.
كان هذا واضحا بشكل خاص بين الأتراب الأكبر سنا، حيث تضاعفت معدلات المشاركة في بعض البلدان، على الرغم من أن الجهود المبذولة لرفع سن التقاعد في المنطقة كانت بطيئة.
هذا لم يكن كافيا لتعويض زيادة في الطلب على العمالة.
وقال كوفاكس "احتياطات سوق العمل مستنفدة الآن، ما يؤدي إلى ضغوط طبيعية لزيادة الأجور".
يلقي جرجيلي تاردوس، كبير الاقتصاديين في بنك أو تي بي OTP في بودابست، الضوء على الفجوة في الأجور، باعتبارها عاملا في مغادرة الناس.
يراوح متوسط الأجور فيالساعة بين تسعة و11 يورو في أوروبا الوسطى، وفقا لآخر استطلاع سنوي أجرته وكالة يوروستات، وهو أقل بكثير من متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ نحو 27 يورو. في بلغاريا ورومانيا، يراوح متوسط الأجور في الساعة بين خمسة وستة يوروات، فحسب.
هذا يحد من قدرة المنطقة على جذب العمال المهاجرين، وفقا لأوتيليا داند من وكالة تينو إنتليجنس Teneo Intelligence في بروكسل. وقالت "إن المجتمعات التي لا ترحب بالعمالة من الخارج لا تساعد على تحسين الوضع.
كذلك، فإن ارتفاع نمو الأجور يتسم بعنصر دوري. شهد العامان الماضيان نمو إجمالي الناتج المحلي عند أعلى مستوياته خلال العقد، حيث بلغ متوسطه نحو 4.5 في المائة في المجر وبولندا، و3.6 في المائة في كل من جمهورية التشيك وسلوفاكيا.
استفادت المنطقة من الانتعاش الدوري في النمو في منطقة اليورو حتى عام 2017، واستمر هذا الزخم القوي في العام الماضي، حيث أدى مزيج من التدفقات الداخلة المتزايدة من الاتحاد الأوروبي، ونمو الاستثمار المتزايد على خلفية تقلص الطاقة الفائضة، إلى زيادة الطلب المحلي.
وقال تاردوس من بنك أو تي بي OTP "إن التراجع في عرض اليد العاملة، الذي اقترن بالنمو الاقتصادي القوي، يعني أن الشركات تقتتل من أجل اجتذاب العاملين".
من المتوقع أن يتراجع النمو الاقتصادي قليلا هذا العام، مع تعرض قطاعات التصدير الكبير والسيارات في المنطقة لتباطؤ الاقتصاد العالمي.
كما بدأت قيود العمل في التأثير، حيث أشار محللون في بنك إرسته إلى أن الشركات في التشيك والمجر بدأت تشهد تقلص إنتاجها بسبب نقص المعروض من العمالة".
في حين إن من المتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي من معدلاته الوفيرة الأخيرة، إلا أنه من المتوقع أن يظل ثابتا فوق إمكاناته للعام الثالث على التوالي.
تشير تقديرات فجوات الإنتاج إلى أن فائض الطاقة الإنتاجية قد اختفى بحلول نهاية عام 2016، وأن المنطقة تعمل منذ ذلك الحين بشكل متزايد فوق قدرتها الكامنة.
هذا المزيج من البطالة المنخفضة والفجوات الإيجابية في الإنتاج لم يترجَم حتى الآن إلى زيادة تضخم في الأسعار الاستهلاكية الأساسية.
في التشيك، يتجاوز التضخم هدف البنك المركزي "عند 2.5 في المائة مقابل هدف البنك الوطني التشيكي البالغ 2 في المائة"، كما أن البنك المركزي ذاك ضمن قلة للغاية في أوروبا، مما رفع أسعار الفائدة، بواقع 170 نقطة أساس منذ آب (أغسطس) 2017.
في بولندا، لا يزال معدل التضخم أقل من 1 في المائة، وهو معدل واقع تماما ضمن هدف مصرف بولندا الوطني البالغ 2.5 في المائة، في حين إن معدل التضخم السنوي في المجر البالغ 2.7 في المائة في كانون الثاني (يناير) الماضي، أقل من هدف البنك المركزي البالغ 3 في المائة.
معدلات التضخم المنخفضة التي من هذا القبيل، خاصة مقارنة بـ2007-2008، هي نتيجة لتضخم أسعار المواد الغذائية والتضخم البطيء في الخدمات.
تمثل هذه المكونات ما بين 50 إلى 60 في المائة من غلة التضخم في المنطقة، وتعمل على تعويض جيوب ضغوط الأسعار في مجالات أخرى.
هناك عوامل أخرى مثل النمو الثابت في الأسعار المدارة وأسعار الطاقة المنخفضة للأسر، تضع سقفا على التضخم الرئيس.
غير أن الانتقال من ارتفاع تكاليف الأجور إلى جوانب أخرى في الاقتصاد يتضح في الأجزاء الكثيفة بالعمالة من غلة التضخم، وذلك وفقا لما يقوله كوفاكس.
ويشير إلى مكونات فرعية للتضخم في الخدمات مثل خدمات إصلاح المنازل ومصففي الشعر والخدمة المنزلية وخدمات الفنادق/المطاعم، ويلاحِظ أن ارتفاع التضخم في بعض القطاعات أكبر في الواقع مما كانت عليه الحال في العقد الماضي.
تُظهر أحدث بيانات التضخم "باستخدام المؤشر الموحد للأسعار الاستهلاكية الصادر عن البنك المركزي الأوروبي"، أن هذه المكونات تعمل في المتوسط بمعدل يراوح بين ثلاث وأربع نقاط مئوية أعلى من التضخم الرئيس في أوروبا الوسطى، وحيث خدمات إصلاح المنازل في المجر ليست بعيدة عن أرقام بخانتين.
وقال كوفاكس "التضخم في القطاعات كثيفة العمالة يتعقب الأجور بشكل واضح، إلا أن الحصة تظل صغيرة".
الحصة المتواضعة ضمن التضخم في الخدمات كثيفة العمالة، التي تقدر بنحو 7 إلى 12 في المائة، إلى جانب ضغوط الأسعار المضمنة في مجالات أخرى، مع تغيرات هيكلية مثل تحسين شفافية الأسعار، تعمل على كبح تأثير ارتفاع الأجور على التضخم الرئيس.
حتى بدون الانتقال إلى الخدمات كثيفة العمالة، تشير معدلات التضخم الأساسية، التي تستثني أسعار المواد الغذائية والطاقة، إلى بعض الأدلة على تصاعد ضغوط الأسعار الأساسية.
هذا الأمر واضح للغاية في المجر، حيث قال البنك المركزي "إنه مستعد للبدء في تطبيع السياسة النقدية تدريجيا، إذا ما تحققت توقعاته لمزيد من المكاسب في التضخم الأساسي "باستثناء الضرائب".
مع انخفاض معدلات النمو الاقتصادي عن المستويات المرتفعة الأخيرة، فإن التوقعات تتعلق بنمو الأجور إلى المتوسط في المنطقة.
بالنسبة إلى المجر، حيث ضغوط الأجور أكثر وضوحا، يتوقع تاردوس أن يتباطأ نمو الأجور، لكنه قال "إن المخاطر تكمن في الاتجاه الصعودي"، حيث من المتوقع أن تظل البطالة منخفضة.
حتى مع تراجع نمو الأجور، بدأت القدرة التنافسية للمنطقة في التآكل. ارتفعت أسعار الصرف على أساس الوزن التجاري النسبي، بناء على تكاليف وحدة العمل، وهذا ليس بالخبر السار بالنسبة إلى قاعدة تصدير الصناعات التحويلية الكبيرة في المنطقة.
بالنظر إلى الطبيعة الهيكلية لنقص العمالة – نتيجة للهجرة والشيخوخة وعدم التطابق في المهارات – من غير المرجح أن يصحح هذا الأمر بشكل كامل، حتى عندما يهدأ النمو الاقتصادي.
في الوقت الذي تحاول فيه الشركات التحكم في فواتير الأجور والتغلب على نقص العمالة، يرى محللون أن الاستجابة المحتملة هي مزيد من الأتمتة، ولا سيما في صناعة السيارات.
على الرغم من أن هذا من المحتمل أن يثير المخاوف بشأن فقدان الوظائف، إلا أن من رأي السيدة داند من شركة تينو إنتليجنس Teneo Intelligence أن الأتمتة "ليست بالأمر السيئ بالضرورة بالنسبة إلى أوروبا الوسطى، بالنظر إلى أنها تتطلب من العمال المهرة برمجة التكنولوجيا والإشراف عليها".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES