نمو الاقتصاد السعودي والتصنيفات الائتمانية

|

تشير التقارير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد السعودي حقق نموا بنسبة 3.59 في المائة في الربع الأخير من 2018، في أسرع وتيرة للنمو خلال ثلاثة أعوام. هذه الأخبار الجيدة جدا تؤكد أن الاقتصاد السعودي قد عاد بالفعل إلى المسار الذي فقده في ذروة انهيار أسعار النفط، على الرغم من أن أسواق النفط في حد ذاتها لم تزل بعيدة عن الاستقرار والعودة لمسار واضح. لقد كان انهيار أسعار النفط المتسارع عام 2015 قادرا على هدم أي اقتصاد، ولهذا تسبب في قلق اقتصادي كبير في المملكة حينها، وتوقف على أثر ذلك كثير من خطط التنمية، كما توقفت المشاريع بشكل جعل عام 2017 من أشد الأعوام قسوة، حيث بلغ التباطؤ مرحلة الانكماش في بعض الفترات، وسجلت التقارير أن الربع الأخير من عام 2017 كان قد شهد انكماشا بنسبة 1.31 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي. لهذا استبشر الجميع بعودة الاقتصاد السعودي لمساره الطبيعي والنمو المتسارع في الربع الأخير من عام 2018 على الرغم من تراجع أسعار النفط في ذلك التوقيت حيث تذبذبت أسعار النفط في تلك الفترة وتراجعت بحدة حتى بلغت مستويات الانهيار عام 2015 أي قريبا من 40 دولارا، هبوطا من القمة التي بلغتها قبل ذلك وهي أكثر قليلا من 67 دولارا في بداية الربع الرابع من عام 2018، لكن الفرق بين الحالتين - أي: بين عام 2015 وعام 2018 - يبدو كبيرا جدا لمصلحة الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز. فالنمو المتسارع عن فترة الربع الرابع لعام 2018 رغم حدة تذبذب أسعار النفط حينها يدل على أن الاقتصاد السعودي وجد مساره خارج تأثيرات أسعار النفط، على أنه يجب التأكيد أن النفط لم يزل يشكل الماكينة الرئيسة المشغلة للاقتصاد السعودي حتى الآن.
لقد كان تأثير هذه الاتجاهات التي يسير فيها الاقتصاد السعودي واضحا جدا على مؤسسات التصنيف الدولية، فقد أكدت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات الائتمانية تصنيفها الائتماني للسعودية عند A- /A-2 مع نظرة مستقبلية مستقرة، وعلقت على ذلك بأنها ترى أن الاقتصاد السعودي قادر على المحافظة على وتيرة النمو هذه، وهذا التعليق من هذه المؤسسات الائتمانية الراسخة يتزامن مع ما تشهده السوق النفطية من تقلب، وهو ما يدل على قناعة هذه المؤسسات بالإصلاحات الاقتصادية التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث أشارت تعليقات هذه المؤسسة إلى أن الحكومة السعودية تذهب بالموازنة العامة بعيدا عن النفط والغاز، وتخفض الاعتماد على العمالة الوافدة، وهذه الإشارة الأخيرة لها من الدلالة ما يحتاج إلى قراءة خاصة.
فالمملكة تسعى بجهد كبير إلى تخفيض العجز في الموازنة مع الحفاظ على مستويات النمو المتسارعة، ولكن أيضا هي تسعى إلى تخفيض البطالة بقوة من خلال زيادة وتيرة التوطين، خاصة في كثير من القطاعات التي سيطرت عليها العمالة الوافدة، وهذا يتم من خلال عدة مسارات أهمها تعزيز دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد، ذلك أن قدرة هذه المنشآت على التشغيل كبيرة، كما أن دعم هذه المنشآت هو الذي سيقود الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد على النفط، كما أن تعزيز قدرات القطاع الخاص بحزم متعددة من الدعم قد حفز على توطين العمالة السعودية. وجاءت إحصائيات البطالة تشير إلى تراجع معدلات البطالة وهذا الاتجاه هو الذي بشر به الأمير محمد بن سلمان مع بداية هذا العام 2019، وهو الذي تسجله المؤسسات الائتمانية الدولية أحد محركات النمو الاقتصادي أو على الأقل أحد مستهدفاته التي بدأت تتحقق، ولم يكن هذا ليحدث في هذه الفترة الوجيزة جدا إلا بجهود مخلصة وصادقة، فلم تستطع دولة نفطية شهدت تراجعا في معدلات النمو مع ارتفاع البطالة أن تعود بهذه السرعة، ومثل هذه العودة لا ولن تأتي إلا بمحاربة الفساد والمحسوبيات والإصلاحات الهيكلية لكثير من القطاعات الحكومية مع إصلاحات متسارعة في الأنظمة وهندسة الإجراءات.

إنشرها