FINANCIAL TIMES

بعد «بريكست» .. بريطانيا ستتلقى القواعد من الخارج

قصتي المفضلة عن جنون بروكسل، هي القصة التي تتحدث عن آلة تهذيب الحشائش التي تصدر ضجيجا عاليا.
خلال فترة الثمانينيات، أخذ الاتحاد الأوروبي عهدا على نفسه بفرض حد معين على مستوى الصوت الصادر من آلات تقطيع الأعشاب التي تعمل بالمحرك.
بالنسبة إلى البريطانيين الذين يغلب على ظنهم أن الأوروبيين يعانون جنون العظمة، هل هناك دليل أفضل من هذا التدخل السافر في السقيفة والعريش التي تستظل بها أرضنا الخضراء الجميلة؟ ما علينا.
يقال لنا إن بريطانيا تأخذ الآن في استعادة سيطرتها على نفسها وعلى سقيفتها، بعد عقود كانت خلالها تتلقى القواعد من غيرها. على أن لندن ستبرز مرة أخرى كجهة صانعة للقوانين. تلك هي أوهام أنصار "بريكست".
من خلال عدسة بريطانية، نادرا ما تكون الأشياء الأوروبية كما تبدو للوهلة الأولى. بعد تعنيفه من قبل ما كان يعرف آنذاك بالعصابة الصغيرة من المناهضين للتكامل الأوروبي في حزب المحافظين، أمر وزير الخارجية دوجلاس هيرد الأسبق، بإجراء تحقيق حول أصول ذلك التوجيه.
لم تكن الأخبار جيدة. والحادثة لم تكن في النهاية مجرد انتزاع للسلطة من قبل بروكسل. لقد قدم الوزراء دعمهم لمبادرة المفوضية الأوروبية، لكن ما كان أسوأ من ذلك هو أنهم كانوا هم الذين اقترحوها.
وكانوا في ذلك الوقت قد أنفقوا قدرا كبيرا من رأس المال السياسي لفرض ذلك الإجراء في وجه معارضة من ألمانيا. بالمناسبة، نحن نتكلم عن حكومة مارجريت ثاتشر. تبين أن الحجة وراء ذلك كانت المصلحة العملية. ألمانيا، وهي بلد يشتهر بكونه منظما وبالتالي يشكل سوقا مربحة لتسويق آلات تهذيب الحشائش، فرضت حظرا على الواردات. كانت الآلات الألمانية أكثر هدوءا من كثير من الآلات الأخرى، لذلك فرضت حكومة بون قيودا وطنية تتعلق بالضوضاء لإخراج المنافسة.
كان صدور توجيه من الاتحاد الأوروبي يسمح برفع مستوى الضوضاء هو الذي يسمح للشركات البريطانية بأن يصبح لها موطئ قدم في السوق.
وكانت حكومة ثاتشر قد استخدمت الاستراتيجية نفسها لفتح أسواق الاتحاد الأوروبي أمام زئير الدراجات النارية البريطانية.
أنصار "بريكست" الذين يؤمنون بالاقتصاد الحر والذين استشاطوا غضبا ضد ما يفترض أنه بيروقراطية مفرطة في الاتحاد الأوروبي، لم يتفهموا قط العلاقة بين القواعد المشتركة والأسواق المفتوحة.
تحرير التجارة عبر الحدود الوطنية يتطلب وجود معايير مشتركة لضمان تكافؤ الفرص. حققت السوق الموحدة نجاحا عظيما من حيث تعزيز التجارة، لأن الاتحاد الأوروبي تمكن من تنسيق وتوحيد القواعد.
القوميون الإنجليز في حزب المحافظين، الذين كانوا يشكلون في الماضي طائفة صغيرة الحجم، اقتحموا الآن أسوار الحكومة.
أنصار "بريكست المذكورون" مصممون على ارتكاب الخطأ نفسه المتعلق بالقواعد التي بموجبها ستمارس بريطانيا، بعد مغادرة الاتحاد الأوروبي، نشاطها التجاري كما حصل معهم ذات مرة فيما يتعلق بآلات جز الحشائش.
إنهم يقولون إن الالتزام بالقواعد المفروضة أمر يخص لا يخصهم. ستعمل بريطانيا، بعد انفصالها عن الاتحاد الأوروبي، على إيجاد معايير وقواعد تتواءم معها.
إنهم مخطئون. الحقيقة البسيطة هي أنه في ظل الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر، فإن صناعة القواعد هي من اختصاص أقوى البلدان. إن كان البلد أحد أكبر البلدان المستوردة في العالم، يمكنه الإصرار على أن تتبع البلدان الأخرى معاييره.
بالمثل، إن كنت تحظى بسيطرة قوية على صناعة معينة، يمكنك تعيين معايير تخص القطاع بأكمله.
البلدان الواقعة في هذه الفئة هي أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكذلك الصين واليابان والهند، بدرجات متفاوتة.
بريطانيا ليست كبيرة بما يكفي. في داخل الاتحاد الأوروبي، أصبحت في آن واحد بلدا يضع القواعد وبلدا يتلقى القواعد.
حين تخرج من الاتحاد الأوروبي، سيراوح الخيار الحقيقي الوحيد المتوافر لديها بين ما إذا كان ينبغي لها قبول القواعد من بروكسل أو من أي بلد آخر.
سيتسبب "بريكست" في جعل التجارة مع الاتحاد الأوروبي أكثر تكلفة وأكثر إزعاجا. التكتل سيبقى سوق التصدير الأكثر قيمة لدى بريطانيا.
كما أن شركات التصنيع التي تريد بيع منتجاتها في السوق الموحدة - وهذا يعني معظم الشركات كبيرة الحجم - ستضطر لمواصلة الالتزام بالقواعد التي تفرضها بروكسل، حتى وهي تخسر إمكانية الوصول السهلة.
أما الشركات صغيرة الحجم فيمكنها أن تفعل ما تريد - إلا إذا كانت تريد الانضمام إلى أي من سلاسل التوريد التي تعبر حدود الاتحاد الأوروبي.
صحيح أن بريطانيا ستصبح قادرة على تصنيع آلات جز العشب وجعلها أكثر إصدارا للضجيج إن ارتأت ذلك، إلا أن أي بلد من أعضاء الاتحاد الأوروبي، لن يشتريها. الشيء نفسه سينطبق على المنتجات التي ستخضع لعشرات الآلاف من الأنظمة التي تغطي كل شيء، بدءا من الصحة الغذائية والحماية البيئية ومعايير سلامة المركبات، وصولا إلى متطلبات نقل البيانات وحماية المستهلكين.
كذلك الأمر بالنسبة لشركات الخدمات التجارية. ما لم تختر التخلي عن السوق الأوروبية، ستكون الفئات المهنية مضطرة لمواكبة المعايير التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.
الشيء الوحيد الذي سيتغير هو أن وزراء بريطانيا لن يشاركوا بعد الآن في وضع تلك القواعد. لا عليكم، كما أسمع بعض الناس ممن لديهم حنين إلى حقبة الأنجلوسفير. يمكننا بدلا من ذلك اتباع القواعد الأمريكية.
صحيح تماما. في بعض الحالات، ربما يكون هذا أمرا منطقيا، و"بريكست" فرصة لتفكيك ترسانة الحمايات الممولة من دافعي الضرائب والإعانات المقدمة للزراع.
هنالك خضراوات وفواكه أرخص ثمنا متوافرة في الأسواق العالمية. وقالت واشنطن في الأصل إن اتفاقية التجارة الثنائية، ستعتمد على إمكانية وصول أفضل إلى السوق البريطانية، بالنسبة لصادرات الزراعة في أمريكا.
تستطيع الحكومة استبدال المعايير الأوروبية بالمعايير الأمريكية. شخصيا، لا اعتراض لدي على القواعد التي تسمح بإدخال الدجاج المغسول بالكلور واللحم البقري المغذى بالهرمونات.
على أنه سيكون من الجنون مغادرة الاتحاد الأوروبي والاستمرار في تقديم الإعانات للزراع.
من شأن هذا التغيير أن يعمل على قتل الصادرات المتوجهة إلى أوروبا. حتى أكثر أنصار "بريكست" حماسة قد يصعب عليه أن يصور استعادة السيطرة على مصيره، كامنة في ظهور الدجاج المغسول بالكلور على أرفف محال السوبرماركت.
يبدو كأن بنك إنجلترا يعتقد أن هنالك مجالا واحدا أو اثنين من مجالات الخدمات المالية التي تحظى فيهما بريطانيا بنفوذ كاف، لأن تصبح دولة صانعة للقوانين والقواعد. ربما. بيد أن المؤسسات المالية تصوت منذ الآن بكل حزم نحو التوجه إلى دبلن وباريس وفرانكفورت، وليس إلى أي من عواصم الأنجلوسفير.
الدروس المستفادة هنا تتضمن أن السيادة الوطنية أمر وهمي عندما تنفصل عن القدرة على التصرف.
وهذا يمتد إلى ما وراء التجارة. تستطيع بريطانيا استعادة السيطرة على حدودها فحسب، من خلال استعدادها للتعاون مع السلطات الفرنسية في كاليه.
سواء أكانت آلات جز العشب أم الدجاج في قلب النقاش، فإن الشيء الوحيد المؤكد هو أن بريطانيا ما بعد "بريكست"، ستصبح مضطرة للالتزام بقواعد بلدان أخرى.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES