فساد صناعة الصيدلانيات

|


توصلت الأسبوع الماضي شركة بوردو فارما - إحدى شركات صناعة الأدوية - مع المدعي العام في ولاية أوكلاهوما الأمريكية إلى توافق قانوني لدفع 270 مليون دولار لمساعدة ضحايا إدمان أحد أدويتها المستخدمة لتخفيف الألم OxyContin، وكان هذا الدواء قد حقق إيرادات تصل إلى نحو 35 مليار دولار منذ إطلاقه عام 1996. وفي وقت سابق رفعت الولاية قضايا ضد عدد من شركات الصيدلانيات الرئيسة - ومن بينها هذه الشركة - بسبب الآثار الجانبية التي تسببها الأدوية المزيلة والمخففة لآلام المرضى. وتقود ما يسمى بالأدوية الأفيونية الشبيهة بالمخدرات إلى إدمان كثير من مستخدميها عليها، ما ينتج عنه كثير من وفيات الجرعات الزائدة. وقد ظهر في الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية ما يسمى بكارثة الأدوية الأفيونية بسبب ممارسات شركات الأدوية التي تخفي الآثار السيئة لمنتجاتها من خلال حملات التسويق التجاري التي تضلل المرضى، ما ينتج عنه إدمان كثيرين وتعرض عديد منهم لمخاطر الوفاة. وتفيد مصادر رسمية أمريكية بمساهمة هذه الأدوية في عدد كبير من الوفيات المبكرة تقدر في الولايات المتحدة وحدها بنحو 48 ألف حالة خلال 2017. وكانت شركة بوردو فارما قد دفعت أكثر من 600 مليون دولار على شكل مخالفات فيدرالية متعلقة بهذا الدواء قبل ما يزيد على عشر سنوات. وتواجه هذه الشركة وشركات أخرى دعاوى قانونية أخرى في ولايات متعددة، قد تقود إلى إشهار إفلاس بعضها، وترفع هذه الممارسات من مخاطر صناعة الدواء وتتسبب في رفع تكاليفه.
توجه كثير من التهم للشركات المصنعة للأدوية بالقيام بممارسات فاسدة لتعظيم أرباحها. وهناك قضايا كثيرة صدرت بموجبها أحكام تلزم شركات الأدوية بدفع ملايين الدولارات على هيئة غرامات مالية. ولا يكاد يخلو تاريخ أي من الشركات الكبرى المصنعة للأدوية من قضية أو قضايا فساد. وواجهت أكبر شركات الأدوية البريطانية في الصين قضية من أكبر قضايا فساد الترويج غير المشروع للأدوية، حيث وجهت السلطات الصينية تهما للشركة بدفع رشا تقدر بنصف مليار دولار إلى كوادر طبية ومستشفيات صينية لتحفيز استخدام أدويتها. ويلاحظ في الآونة الأخيرة زيادة قضايا الفساد الموجهة لشركات صناعة الصيدلانيات. ويقود هذا إلى زيادة مخاطر هذه الشركات لأنها قد تتعرض إلى غرامات مرتفعة بسبب هذه الممارسات. ويرى بعض المراقبين احتمال تعرض جزء من صناعة الصيدلانيات لقضايا مشابهة للقضايا التي رفعت ضد قطاع تصنيع التبغ قبل عقدين من الزمن ووصلت التسويات فيها إلى نحو ربع تريليون دولار.
هناك أوجه متعددة للفساد الذي تمارسه بعض شركات الصيدلانيات، ومن أبرزها نقص الشفافية والمعلومات حول منتجاتها وآثارها السلبية، والمبالغة في منافع أدويتها، واستخدام مراكز القوى والمحسوبية والحوافز المالية غير الشرعية المدفوعة للكوادر الصحية لزيادة مبيعاتها أو الحصول على تراخيص الإنتاج والتسويق والاستيراد، أو منع أدوية منافسة من الدخول للأسواق، والتضليل المتعمد من خلال أدوات التسويق التجاري. وتدفع بعض الشركات مبالغ مالية كبيرة لمنع إنتاج أو بيع أدوية منافسة لا تحمل علامات تجارية وتكون في العادة أرخص بكثير من أدويتها. وقد يكون الفساد في الأدوية عبارة عن عمولة - رشوة - من شركة مصنعة لبعض الأطباء لوصف علاماتها المسجلة لمرضاه بغض النظر عن حاجتهم إليها أو ارتفاع سعر الدواء مع الأدوية المنافسة والمماثلة أو الشبيهة. أو قد تكون رشوة لمسؤول حكومي لإدخال أدوية غير مجدية أو قليلة الفعالية مقارنة بأدوية مشابهة في أنظمة واستخدامات الصحة العامة. أو قد تكون لإزاحة عراقيل تقوم بها بعض الجهات الرقابية في وجه بعض شركات الأدوية للسماح باستيراد أو استخدام أدويتها.
يرى بعض المختصين أن وجود احتكارات في مجال صناعة الأدوية، وانخفاض مستويات المحاسبة، وتعدد اللاعبين وحلقات إنتاج وبيع وتسويق الأدوية، وانخفاض المعلومات لدى المستهلكين حول الأدوية، وتسليم قرارات الوصفات للممارسين الطبيين تزيد احتمالات ممارسات فساد الأدوية. ويواجه المختصون مصاعب ملموسة في تحديد اللاعبين الرئيسين في مجالات الأدوية، فالطلب عليها يحدده المتحكمون في العرض من المستشفيات والأطباء. من جهة أخرى لا يستطيع المستهلك تحديد نوع الدواء لأن لديه خيارات محدودة كما أنه لا يستطيع تحمل مخاطر معظم الأمراض.
تقود ممارسات الفساد بالطبع إلى إهدار الموارد الخاصة والعامة وترفع تكاليف الرعاية الصحية، وفي الوقت نفسه تعرض المرضى لمخاطر صحية كان بالإمكان تجنبها. إن الفساد في مجال صناعة الأدوية التي تشكل جزءا رئيسا من تكاليف الرعاية الصحية منتشر في أنظمة الرعاية الصحية الخاصة والعامة. ويخفض فساد الأدوية فعالية الأنظمة الصحية خصوصا في الدول محدودة الموارد. إضافة إلى ذلك يحرم الفساد كثيرين خصوصا من الشرائح السكانية الأقل دخلا من الرعاية الصحية أو يقلل جودتها وكفاءتها في التصدي للأمراض، كما يعرض كثيرين من جميع الشرائح السكانية إلى مخاطر صحية يقود عديد منها إلى آثار كارثية على الحياة.

إنشرها