هيئة الممارسات الحسنة

|


يتساءل أحد الزملاء: لماذا عندما تطرأ فكرة حسنة يطالبون بإضافتها كمادة في التعليم أو إنشاء هيئة مستقلة؟! تساؤله منطقي، ولكن هذا لا يعني أن نلغي الفكرة الحسنة، فالتطوير مطلب والإقرار بضرورته خطوة مهمة. لكن خطوات الإقرار بأي فكرة حسنة تشمل كذلك الانتقال إلى التنفيذ تخطيطا وتحديدا وقولبة، وهذا يعني اختيار الكيان أو السياق الذي تمرر فيه وعن طريقه هذه الأفكار الحسنة، بحيث تصنع التأثير المطلوب. قد يحصل هذا بإنشاء شبكة بين الجهات، أو تأسيس هيئة وطنية، أو تمرير محتوى ضمن منهج تعليمي أو نشره ضمن «حكاوي» المجالس. على السياق نفسه ولتأكيد الغرض نفسه، أقترح اليوم وجود كيان أو برنامج على المستوى الوطني لترويج ونشر الممارسات الحسنة. لماذا؟ وماذا نعني بالممارسات الحسنة؟ هذا ما يتناوله المقال.
في عالم الأعمال يتم تداول المصطلح "أفضل الممارسات" وأحيانا "الممارسات الجيدة أو الحسنة"، وعلى الرغم من إساءة استخدامه كثيرا إلا أنه يظل أحد أهم المفاهيم المرتبطة بتحسين الأداء. يقصد بالممارسات الحسنة الأفعال أو الإجراءات التي تعرف على نطاق واسع بأنها سليمة وفعالة، أو ببساطة، "أكثر" - بصيغة التفضيل - الممارسات الأكثر فاعلية، سواء على مستوى العالم أو مستوى الصناعة أو المجال الذي تتم به الممارسة. وللدور المحوري لهذه الممارسات، إذ تصنع الفارق بين النتيجة وعدم وجود نتيجة، أو بين الأداء الجيد والأداء السيئ، لا بد من وجود آلية لتحديدها ونشرها وتيسير استخدامها، قد تكون هذه الآلية برنامجا وطنيا، أو قنوات تواصل متخصصة، أو تفاعلات معينة، المطلب أن تتركز الجهود لتحقيق هذا الأمر.
هناك مجموعة من التحديات التي توضح لنا أهمية هذه الممارسات، والأثر المهم الذي تصنعه. سأسردها بالترتيب. أولا، يغيب عن ذهن كثير من الممارسين أن الأمور قابلة للتنفيذ بأكثر من طريقة، وهناك دائما طرق سيئة وطرق عادية وطرق حسنة. ويمكن الوصول إلى الطرق الحسنة بعدة وسائل، ولكنها تتطلب في الإجمال عددا من مهارات التواصل والتعلم، خصوصا عند التواصل مع الشبكة المهنية المتخصصة الكبرى خارج دائرة مكان العمل. يصبح الأمر مرهقا عندما تتجسد هذه المشكلة الثقافية المرتبطة بالبحث عن أفضل الممارسات عند التنفيذيين والقادة، فيقومون بتضييع جهود وأوقات عدد كبير من البشر في ممارسات لا تتفق مع الطموحات ولا تعكس القيمة الحقيقة للساعة التي يستثمرها الإنسان لصنع الناتج المطلوب. مثل هؤلاء مقصرون مهملون، إن لم يحسنوا من وضعهم فهم يتحملون مسؤولية الإخفاق والتقصير. وهذا أول التحديات التي ينبغي معالجتها على المستوى الوطني، وهو تحد ثقافي بامتياز، ومعالجته ترتبط بتعزيز الكيانات المهنية والالتزامات العلنية والثقافات المشتركة.
إذا عالجنا مشكلة التجاهل، وتحققت الرغبة في تعلم أفضل الممارسات يظهر لنا التحدي الثاني الذي يرتبط بمشكلة الوصول، إذ يصعب بشكل عام الوصول إلى أفضل الممارسات. قد يكون الممارس بعيدا فعليا عن أفضل الممارسين الذين يمكن التعلم منهم أو لا يعرف مهارات الوصول إلى هذه الممارسات. وهنا نتحدث عن مشكلة وصول وتواصل وتعلم، وحلها يكون بتعبيد الطرق التي تمكن من الوصول، وتحسين قنوات التواصل بين الكيانات التي تهتم بالمعرفة، وتلك التي تحتضن الممارسين.
ثالثا، تتغير الممارسات بتغير المجال وتغير المدارس وتغير الثقافة، وليس من السهولة الوصول إلى أفضل الممارسات في كل المجالات في الوقت نفسه، لذا من الضروري أن يتمكن الممارسون من تشجير المواضيع والمجالات بطريقة تمكنهم من الحصول على الثمرة المطلوبة. قد يحتاج المهندس إلى أفضل الممارسات في دراسة التكاليف، وقد يحتاج المحاسب إلى فهم أفضل الممارسات في تحليل المخاطر التشغيلية، ولا يستغني الموظف الحكومي عن أفضل ممارسات العلاقات العامة والتسويق، ولا المسوق عن أفضل ممارسات استخدام بعض الأدوات التقنية. ودون معرفة ما يحيط بنا وبمجال علمنا من تداخلات، لا يمكن الوصول إلى التطبيق أو الممارسة التي تصنع الفارق.
رابعا، يعتقد البعض بأن استيراد الممارسات من الخارج متطلب مهم لتطوير الأداء محليا، وهذا صحيح ولكنه يتطلب بعض التفصيل.الاختلافات الثقافية واختلاف النظم والبنى بيننا وبين الدول التي تصدر أفضل الممارسات تجعل إعادة مواءمة أفضل الممارسات ضرورة لا غنى عنها. ومن غير الممكن أن ينادي أحدهم بإجراء يطبق في دولة فيها الثقافة العمالية عمرها 120 عاما على أخرى عمرها عدة سنوات. كذلك، يعاب على البعض بعدهم عن الممارسات وضعف فهمهم للمكون المحلي وللتفاصيل الصغيرة المؤثرة على واقعها. كي يكتب لأي اقتراح النجاح يجب أن يراعى الوضع الحالي بشكل جيد، ولا يشترط أن يكون تمرير أفضل الممارسات من ممارسين للأمر، وإن كان هذا هو الوضع المثالي، لكن على الأقل ينبغي للشخص الذي يناقش أفضل الممارسات - مثل الباحثين وأساتذة الجامعات – أن يفهم الوضع الحالي بشكل ممتاز بالتواصل المباشر الممنهج مع الممارسين والاحتكاك بهم والتعلم من بيئتهم وظروفهم بشكل مباشر.
هناك كثير من الأمثلة التي توضح لنا البون الشاسع بين الممارسات المحلية، فشركة مثل سابك التي يقتدى بها تصنيعيا على مستوى العالم، يحيط بها من المصانع ما يتأثر بأضعف الهزات الاقتصادية. هناك كذلك فروق كبيرة في المهارات الإدارية بين التجار وموظفي القطاع العام والخاص، ومع الأسف تناقل هذه المهارات وانتشارها لا يحصل بشكل سريع ومؤثر. لا نزال نعيش في عزلة المهارات والممارسات التي نخسر بسببها كثيرا من الفرص.

إنشرها