FINANCIAL TIMES

تركز تطبيق العلم على أبحاث محلية في لوكسمبورج

في مدرسة ثانوية في لوكسمبورج في الثمانينيات من القرن الماضي، كان مارك شيلتز مصمما على أن يصبح فيزيائيا، الأمر الذي تطلب منه أن يدرس في الخارج، مثله مثل أي عالم آخر محتمل في البلاد.
من المثير للدهشة، أن دولة مزدهرة يزيد عدد سكانها على نصف مليون نسمة، لم تكن لديها أي جامعة حتى بداية هذا القرن، ولم تنفق سوى قليل على البحث العلمي.
بعد 20 عاما من العمل الأكاديمي في مناطق أخرى من أوروبا - فرنسا وبريطانيا وسويسرا - عاد شيلتز في عام 2011 لقيادة ما أصبح واحدا من أسرع البرامج العلمية نموا في العالم، الصندوق الوطني للبحث العلمي في لوكسمبورج أو ما يعرف بـ"إف إن آر" FNR.
خلال الفترة التي قضاها في الخارج، أنشأ البلد أخيرا جامعة لوكسمبورج في عام 2003، ووجه الإنفاق العام إلى البحث العلمي على مسار شهد فيه ارتفاعا بنحو 15 ضعفا إلى نحو 400 مليون يورو سنويا، بين عامي 2000-2018.
"على الرغم من أن هذا يعني الانتقال من الأوساط الأكاديمية إلى إدارة البحوث، إلا أنني أحببت التحدي المتمثل في العودة إلى وطني الأم والمساعدة على إنشاء نظام بحثي جديد"، حسبما يقول شيلتز البالغ من العمر 49 عاما، مضيفا "انطلاقا من مرحلة البناء التي بدأت بالفعل في مطلع الألفية، دخلت البحوث العامة الآن مرحلة الاندماج، التي سيكون عليها من خلالها إثبات تميزها وجودتها في منافسة عالمية صعبة".
خلال فترة السنوات الأربع 2018-2021، تتوقع لوكسمبورج إنفاق ما مجموعه 1.5 مليار يورو على البحث والتطوير، بما في ذلك المنح الجماعية للجامعة والمؤسسات الأخرى.
ميزانية الصندوق الوطني للبحث العلمي خلال تلك الفترة ستكون 340 مليون يورو.
الإنفاق العام في لوكسمبورج على البحث والتطوير يبلغ الآن نحو 0.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، "وهو قريب من متوسط الاتحاد الأوروبي"، حسبما يقول شيلتز، مضيفا "يمكننا إنجاز عمل أفضل بقليل في المستقبل، فهناك إجماع سياسي متعدد الأحزاب ودعم شعبي واسع للإنفاق البحثي".
ذلك الإجماع ظهر خلال التسعينيات من القرن الماضي عندما تمتعت لوكسمبورج بطفرة اقتصادية، بفضل قطاعها المالي الذي ازدهر، باعتباره ملاذا منخفض الضرائب داخل الاتحاد الأوروبي.
البلاد أعادت تجديد اقتصادها مرتين في السابق، الأولى خلال أواخر القرن التاسع عشر عندما حل إنتاج الصلب محل الزراعة، باعتباره أكبر مصدر للثروة وفرص العمل، ثم مرة أخرى بعد انهيار صناعة الصلب في سبعينيات القرن الماضي، فساد القطاع المصرفي والمالي.
في حين إن هذا الأخير لا يزال مزدهرا، إلا أن حكومة لوكسمبورج بدأت الاستثمار في العلوم والابتكار، للحد من اعتماد الاقتصاد على التمويل من خلال بناء قطاع تكنولوجيا متقدمة.
إحدى علامات هذا التنويع كانت إنشاء وكالة لوكسمبورج للفضاء العام الماضي، والترويج للبلد بصفته وجهة لشركات الفضاء، من مشغلي الأقمار الصناعية المبتكرين، إلى الشركات التي تهدف إلى استخراج الموارد من الكويكبات.
يقول شيلتز "يجب أن أشرح للباحثين أنه، باعتبارنا دولة صغيرة، لا يمكننا أن نفعل كل شيء. ثمة مرونة في النظام، الأمر الذي يساعدنا على جذب العلماء إلى لوكسمبورج. يقولون لي إنه مكان يمكنهم فيه المساعدة على تشكيل النظام. لا نريد أن نكون مقيدين للغاية، إلا أن لدينا مجالات ذات أولوية".
بعض الأولويات تعكس طبيعة اقتصاد لوكسمبورج، بما في ذلك احتياجات قطاع الخدمات، والآن، هنالك قطاع الفضاء أيضا. البلد يعد موطنا لشركة إس إي إس، أحد أكبر مشغلي الأقمار الصناعية في العالم.
تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ICT تعد مهمة، مع التركيز على الأمن ونقل البيانات في القطاع المالي والاتصالات الفضائية.
يمول الصندوق الوطني للبحث العلمي أيضا البحوث في "الأنظمة المستقلة"، بما في ذلك تكنولوجيا القيادة والتحكم للروبوتات العاملة في الفضاء.
في الطب الحيوي، ينصب التركيز على "الجمع بين علوم الحياة وعلوم البيانات"، حسبما يقول شيلتز.
المثال على ذلك، بحث في شأن مرض باركنسون. الصندوق الوطني للبحث العلمي يدعم مجموعة دراسة وطنية لمرضى باركنسون، الذين يتم تحليل عيناتهم للعثور على "مؤشرات حيوية" تشير إلى أشكال مختلفة من المرض، مع تشخيصات مختلفة، وتوصيات مختلفة للعلاج. بالنسبة إلى مرض باركنسون "هذه البيانات هي الأعلى جودة في العالم"، على حد تعبيره.
القلب الجغرافي لعلوم لوكسمبورج هو حرم بيلفال للإبداع جنوب غربي العاصمة. محور مشروع التجديد الحضري الذي تبلغ تكلفته مليار يورو، وهو أحد أكبر المشاريع في أوروبا. "بيلفال" تضم الجامعة ومراكز البحوث وحاضنات الأعمال.
إحدى سمات الحياة الوطنية هي موقفها المنفتح عالميا. يشكل الأشخاص من خارج لوكسمبورج نحو نصف السكان، وشيلتز كان مصرا على أن الموقف المتطلع نحو الخارج يجب أن ينطبق على العلوم أيضا.
"كان هناك خطر معين في إنشاء نظام بحثي في لوكسمبورج يتمثل في احتمالية أن يصبح ذا نظرة منغلقة داخلية" على حد قوله. لذلك تم التأكيد على الروابط الدولية من البداية. تجلى ذلك في عام 2017 عندما تم انتخاب شيلتز رئيسا لـ"ساينس يوروب"، جمعية مؤسسات تمويل الأبحاث الأوروبية "يمكن أن يؤثر تعاونها في مستقبل أوروبا بطريقة لا تستطيع أي منظمة مستقلة تحقيقها بمفردها"، على حد تعبيره.
على مدار ال15 عاما الماضية، تدفق طلاب لوكسمبورج الموهوبون على بقية العالم. على أن ما لا يقل عن 80 في المائة من العلماء في لوكسمبورج هم من المواطنين الأجانب. نظراء مارك شيلتز في المدرسة اليوم، سيكون بمقدورهم خوض تجربة برنامج علمي دولي، بصفتهم طلابا في بلدهم الأم.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES