ورحلت قائدة للعمل الخيري

|


انطفأت شمعة من شموع العمل الخيري التي كانت تضيء طرق النجاح في هذا القطاع المهم بعد رحيل رائدة العمل الخيري الأميرة البندري بنت عبدالرحمن الفيصل. فبرحيلها افتقد الوطن إحدى القيادات الفاعلة في القطاع غير الربحي؛ فقد أسهمت -يرحمها الله- إسهاما مميزا في رفع مستوى أداء القطاع غير الربحي وزيادة فاعليته في بناء قدرات الأفراد والأسر المستهدفة خصوصا، وتنمية قدرات العاملين في المجال الخيري ورفع كفاءة أدائهم عموما. الأميرة البندري حفيدة الملك فيصل –يرحمه الله– ورثت عنه الذكاء الحاد، والفطنة، والحنكة، وانطبعت شخصيتها الرائعة ببعض طباع وسمات الملك خالد بن عبدالعزيز -يرحمه الله-، خاصة إنسانيته، وقربه من الناس، وإحساسه باحتياجاتهم ومشاركة همومهم.
لقد تشرفت بالعمل مع الأميرة البندري أثناء تأسيس جائزة الملك خالد، فعرفتها عن قرب، وأعجبت بشخصيتها العملية والمتواضعة. وتميزت بإخلاصها وعشقها للعمل الخيري، وقدراتها العالية التي مكنتها من تحقيق إنجازات كبيرة في مجال تعزيز العمل المؤسسي في القطاع غير الربحي والنهوض به من خلال بناء قدرات العاملين فيه ورفع مستوى أداء المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية من خلال برنامج "تمكين" وغيره، إلى جانب تطوير النظرة المجتمعية تجاه العمل الخيري وتبني أساليب نوعية جديدة في ممارسة العمل الخيري وإدارته.
تمكنت مؤسسة الملك خالد الخيرية تحت قيادتها من المبادرة بتبني مشاريع أنظمة مهمة مثل نظام الإيذاء والعنف الأسري، وبذلك كانت مؤسسة الملك خالد من أوائل من وجه الأنظار لمشكلة العنف الأسري من خلال تنظيم حملات توعوية بمشكلة العنف الأسري وخطورته في المملكة. كما أن المؤسسة كانت أول من حاول التنبيه لمشكلة الفقر ومعالجته وتحديد خط الفقر أو "خط الكفاية" كما يطلق عليه أحيانا.
وجاءت مبادرة تأسيس "جائزة الملك خالد" لتركز على الجوانب الاجتماعية سواء من خلال المسؤولية الاجتماعية والتنافسية المسؤولة للشركات أو تشجيع الإنجازات الوطنية والمبادرات والمشاريع الرائدة في مجال التنمية عموما والعمل الخيري خصوصا. وإلى جانب ذلك تمكنت الأميرة البندري من عقد شراكات محلية وإقليمية ودولية سواء مع المؤسسات الحكومية ومنشآت القطاع الخاص أو المنظمات والجامعات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، ومؤسسة بيل جيتس، وجامعات عالمية مثل هارفرد وكولومبيا وغيرهما. تمكنت الأميرة من بناء شراكة بين مؤسسة الملك خالد ومؤسسة بيل وميليندا جيتس تتمثل في برنامج "شغف" الذي يهدف إلى استقطاب الشباب السعودي من الجنسين للعمل في القطاع غير الربحي في المملكة، والمشاركة في رفع مستوى الخدمات التي تقدمها منظمات القطاع الخيري للفئات المستهدفة، وبالتحديد يهدف هذا البرنامج إلى تحقيق أربعة أهداف، هي: استقطاب وتمكين مجموعة من قادة المستقبل في القطاع غير الربحي في المملكة، وتطوير مهارات المشاركين في البرنامج؛ ليصبحوا قادة في تطوير منظمات القطاع غير الربحي وتحسين جودة مخرجاته، وإيجاد سفراء سعوديين لقضايا التنمية المحلية، وإحداث نقلة نوعية في الجانبين الإداري والقيادي في المنظمات غير الربحية. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل نظمت ورش عمل في كثير من مناطق المملكة لتطوير مهارات قادة القطاع غير الربحي.
وبما لديها من قدرات مميزة، استطاعت تحسين أداء العمل الخيري في المملكة من خلال بناء القدرات وطرح مفاهيم جديدة في المساءلة والحوكمة وفاعلية العمل الخيري، فكانت تركز على تعزيز فاعلية العمل الخيري ورفع نسبة ما يصل إلى الأفراد والأسر المستهدفة من كل ريال ينفق في مجال العمل الخيري. وقبل كل هذه الأمثلة والنماذج القليلة من إنجازاتها الكبيرة والمتنوعة، استطاعت رائدة العمل الخيري بناء مؤسسة الملك خالد على أفضل الأسس والمعايير الدولية في مجال العمل غير الربحي، لتصبح المؤسسة أنموذجا يحتذى به ليس على المستويين المحلي والإقليمي، بل العالمي.
سيفتقد العمل غير الربحي بأفراده ومنظماته رائدة مميزة، كرست حياتها ووقتها، وأعطت جل اهتمامها، ووجهت إمكاناتها لتطوير العمل غير الربحي في المملكة، وتبنت معالجة علمية مدروسة لكثير من القضايا والتحديات التي تواجه المجتمع السعودي، مثل الفقر، والعنف الأسري، والطلاق، وتمكين الشباب وتوظيفهم. في الختام، أقدم التعازي الحارة لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، ولوالدتها الأميرة موضي بنت خالد، وإلى خالها الأمير فيصل بن خالد، وإلى ذويها وأقاربها، وإلى العاملين في القطاع غير الربحي عموما، ومنسوبي مؤسسة الملك خالد الخيرية خصوصا، وأدعو لها بخير الجزاء على أعمالها الوطنية المخلصة، وأن يتغمدها الله برحمته، ويسكنها فسيح جناته.

إنشرها