وظائف صناعة الصيدلانيات

|


تطمح الدول من وراء تطوير أي صناعة أو تنميتها إلى إيجاد الوظائف وتحسين أوضاع العاملين ورفع أجورهم وتحسين بيئة أعمالهم وضمان استمرارها. وتبدأ صناعة الصيدلانيات في أي بلد بداية متواضعة تركز على التعبئة والتغليف وصناعة الأدوية بتراخيص من الشركات المالكة لبراءات الاختراع أو تقليد وصناعة الأدوية التي انتهت فترات براءاتها. وتحاول الدول زيادة القيمة المضافة محليا من خلال سياسات تشجيع وحماية ودعم معينة لتحفيز الصناعة على النمو والإبداع. توفر صناعة الصيدلانيات وظائف جيدة ومحترمة مجتمعيا وبمهارات متفاوتة، وكلما ازدادت القيمة المضافة للصناعة في أي بلد ازدادت معها جودة الوظائف والحاجة إلى الأيدي العاملة عالية المهارة.
من جهة أخرى تحتاج أي صناعة بما فيها صناعة الصيدلانيات إلى سلسلة خدمات ومنتجات مساندة في قطاعات أخرى، وكلما تعمقت الصناعة ازدادت الخدمات المحلية المساندة وارتفع عدد الوظائف المولدة. قد يبدو عدد العاملين ليس كبيرا في هذه الصناعة مقارنة ببعض الصناعات، ولكن سلسلة الوظائف المرتبطة متعددة ما يعني أن الوظيفة الواحدة في هذا القطاع تولد عدة وظائف أخرى في قطاعات مرتبطة، خصوصا في الدول المطورة للأدوية.
يعمل نحو خمسة ملايين إنسان في صناعة الصيدلانيات على المستوى العالمي. وتأتي الولايات المتحدة على رأس الدول في صناعة الصيدلانيات والصناعات المرتبطة بها، حيث تشير مصادر الصناعة إلى أثرها الاقتصادي الملموس في الاقتصاد الأمريكي. وتقدر مصادر الصناعة حجم تأثيرها في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنحو 1.3 تريليون دولار، تشكل إيرادات الصناعة ذاتها نحو 40 في المائة منها، بينما يسهم إنفاق الصناعة وعاملوها وتسويقها في توليد الباقي. كما تقدر مصادر الصناعة المتخصصة الأمريكية أن عدد العاملين فيها والقطاعات المرتبطة بنحو 800 ألف شخص. وتتوزع وظائفها على قطاعات البحث العلمي والدعم الفني والتصنيع. وتدعي بعض مصادر الصناعة مساهمتها في توظيف ملايين أخرى من الأشخاص بشكل غير مباشر. تستخدم الصناعة تقنيات متقدمة وتحتاج إلى كثير من الوظائف عالية المهارة خصوصا في مجالات البحث والتطوير والتسويق. وقد تبوأت الولايات المتحدة المركز المتقدم في الصناعة لعدة أسباب، من أهمها: تقدمها العلمي والعملي، والطلب الهائل على الخدمات الصحية، والإنفاق الكبير على البحث والتطوير الذي يدعمه توافر الجامعات ومراكز الأبحاث المتميزة، والأيدي العاملة الماهرة المتخصصة، ورأس المال الجريء، ومنح الدعم الحكومي والعام لأنشطة البحث العلمي، وأنظمة براءات الاختراع التي تحمي المطورين لفترات طويلة تصل إلى 20 سنة.
تشير بيانات الصناعة إلى تمتع العاملين في الصناعة بمستويات أجور جيدة مقارنة بالقطاعات الأخرى. وتجاوزت معدلات أجور الصيادلة مثلا في الولايات المتحدة عشرة آلاف دولار في الشهر عام 2018، ما يشير إلى أنها مهنة تدر دخلا جيدا مقارنة بالمهن الأخرى. أما بالنسبة لإنتاجية العاملين في قطاع صناعة الصيدلانيات التحويلية فقد تتجاوز 400 ألف دولار للعامل الواحد وهو ما يدل على توافر أرباح وفيرة في الصناعة. تجذب الأرباح المرتفعة الاستثمار لهذه الصناعة ما يحفز النمو والتوظيف. ومن المتوقع نمو التوظيف فيها بمعدلات جيدة وذلك لعدة أسباب، من أبرزها: زيادة الإنفاق الصحي، وارتفاع عدد ونسب كبار السن في السكان، وزيادة البحث العلمي والتطور المتسارع في الصناعة، واكتشاف أدوية جديدة.
يقدر أن ما يقل بقليل عن ثلث وظائف تصنيع الصيدلانيات في الولايات المتحدة يشغله محترفون ومتخصصون، خصوصا العلماء ومساعديهم من الفنيين. ويشكل المتخصصون في الطب والأحياء "بأنواعها من النباتات والحيوانات والخلايا والبكتيريا والفيروسات" والكيمياء والصيدلة وأنظمة المعلومات والحاسب الآلي جزءا كبيرا من العلماء العاملين في أنشطة البحث. وتشير بيانات البحث العلمي الأمريكي إلى أن أكثر من 100 ألف شخص يعملون حاليا في مجال أبحاث الصيدلانيات. من ناحية أخرى يشغل أكثر من ربع وظائف القطاع بقليل العاملون في خطوط الإنتاج، ويشمل ذلك عالي المهارة ومحدودي المهارات. أما باقي الوظائف فيحتلها المديرون والإداريون والمسوقون والماليون.
السياسات الاقتصادية الكلية الناجعة مطلب أساس من مطالب التنمية ونشر الرفاهية الاقتصادية بين سكان أي بلد، ولكن تنمية القطاعات المختلفة في الاقتصاد تتطلب نظرة جزئية للقطاعات للتعرف على نقاط الضعف والقوة وصياغة سياسات تستهدفها. ويبدو من بيانات صناعة الصيدلانيات في المملكة أنها تخطو خطواتها الأولى في مشوارها التنموي، وأنها توظف أعدادا محدودة، وتسهم بشكل بسيط في الناتج المحلي الإجمالي. ويصعب رفع مساهمة هذه الصناعة في التوظيف دون جهود إضافية وسياسات استهدافية في مجالات معينة، أهمها البحث العلمي المرتبط بها، وإعداد المهارات التي تحتاج إليها الصناعة، ورأس المال الجريء، وزيادة الإنفاق الصحي، والحماية القانونية المناسبة.

إنشرها