أخبار اقتصادية- عالمية

3 سيناريوهات للسياسة النقدية البريطانية بعد «بريكست» .. والأقرب رفع الفائدة لكبح التضخم

كشف قرار بنك إنجلترا "البنك المركزي البريطاني" إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير نهاية الأسبوع الماضي، حالة الضبابية التي تشهدها السياسة النقدية البريطانية، في ظل استمرار عدم اليقين بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست".
ولا شك أن تصويت جميع الأعضاء التسعة للجنة السياسة النقدية في البنك، على إبقاء معدلات الفائدة عند حدود 0.75 في المائة، وهو المعدل السائد منذ آب (أغسطس) 2018، يؤكد أن الاتجاه العام بين صناع السياسة النقدية البريطانية في الوقت الراهن على الأقل، يدعو إلى ضرورة التريث حتى تتضح الصورة النهائية بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وحتى تتوافر لديهم معطيات كمية موثوق بها، بشأن المسار الذي يجب أن يسلكه الاقتصاد الكلي.
ويعتقد كثير من المختصين أن السيناريوهات المتاحة أمام لجنة السياسات المالية في بنك إنجلترا قد باتت مركبة، وتعتمد بشكل كبير على طبيعة الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي وتوقيته.
"الاقتصادية" استطلعت وجهات نظر عدد من مختصي الاقتصاد البريطاني، للتعرف على السيناريوهات المحتملة للسياسة النقدية، وتأثيرها في المسار الاقتصادي الكلي خلال الفترة المقبلة.
يعتقد البروفيسور إم. كارت العضو السابق في لجنة السياسات المالية في عهد رئيس الوزراء العمالي جوردن براون، والاستشاري في عدد من المؤسسات الاقتصادية الدولية، أن "الهدف الرئيس لبنك إنجلترا هو إبقاء التضخم تحت السيطرة، وألا يتجاوز حدود 2 في المائة، للحفاظ على كل من النمو والتوظيف، ومعدل التضخم حسب آخر التقديرات المتاحة في شهر شباط (فبراير) الماضي بلغ 1.9 في المائة، وهذا يعني أن بريطانيا وفقا للوضع الاقتصادي الراهن تسير على الطريق الصحيح".
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "هذا الوضع يمكن أن يتغير مع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وتغير هذا الوضع قد يتضمن خروج رؤوس الأموال من بريطانيا، خاصة إذا تراجعت قيمة الاسترليني، كما أن فرض تعريفة جمركية على السلع المستوردة من الاتحاد الأوروبي، يعني عمليا ارتفاع قيمة الواردات وزيادة الأسعار، ومن ثم ارتفاع معدلات التضخم، ولكبح جماحه لا بد من رفع أسعار الفائدة".
ويوم بعد آخر، تزداد قناعة عديد من المختصين بأن السيناريو الأكثر احتمالا للسياسة النقدية البريطانية في المرحلة المقبلة، سيبنى على أساس الحد من الاقتراض المصرفي لكبح جماح التضخم.
إلا أن الدكتورة مارجريت راسال أستاذة الاقتصاد البريطاني في جامعة لندن، تطرح أمام "الاقتصادية" ثلاثة مسارات يمكن أن تتخذها السياسة النقدية خلال السنوات المقبلة، بناء على السيناريوهات المطروحة بشأن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
وتفصل راسال ذلك قائلة "السيناريو أو المسار الأول، في حال إقرار البرلمان صفقة رئيسة الوزراء خلال فترة الأشهر الثلاثة التي منحها الاتحاد الأوروبي بريطانيا، فهذا يعني القضاء على وضعية عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد حاليا، ويتيح فرصة للسير في طريق رفع أسعار الفائدة، وهنا قد يقوم بنك إنجلترا برفع الفائدة ما بين أربع إلى خمس مرات حتى نهاية العام المقبل، وهذا المسار ربما يكون إيجابيا من حيث تدفق رؤوس الأموال إلى بريطانيا للاستفادة من هذا الارتفاع والاستفادة أيضا من القدرات الاقتصادية المحلية خاصة مع اتضاح صورة العلاقة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي".
وبشأن المسار الثاني تضيف راسال، "يرتبط هذا السيناريو أكثر باحتمال حدوث تأخير طويل الأمد فيما يتعلق بالانفصال عن التكتل الأوروبي، وقد يمتد هذا التأخير إلى قرابة عام أو أكثر، وهذا يعني عمليا استمرار الضبابية السائدة حاليا لدى واضعي السياسة الاقتصادية عامة والنقدية على وجه التحديد بشأن المستقبل، وهذا لا يعد إيجابيا للوضع الاقتصادي، لأنه سيتطلب أيضا رفع معدلات الفائدة لكبح جماح الضغوطات الاقتصادية السلبية خاصة فيما يتعلق بالتضخم، لكن عدد مرات رفع أسعار الفائدة ومعدلات الزيادة ستكون أقل كثيرا من السيناريو الأول".
أما السيناريو الأخير، بحسب راسال، فيرتبط بالخروج من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة، وفي هذه الحالة لن يكون أمام لجنة السياسة النقدية غير تخفيض أسعار الفائدة إلى 0.25، وربما لا تنتظر إلى الاجتماع المقبل في شهر أيار (مايو) بل ربما تعقد اجتماعا طارئا لاتخاذ هذا القرار.
لكن هذه الضبابية بشأن السيناريوهات المتوقعة للسياسة النقدية البريطانية، تبدو من وجهة نظر آموك مارك الباحث في بنك إنجلترا واضحة، في تغير مواقف الشخص المسؤول عن السياسة النقدية البريطانية، مارك كارني محافظ بنك إنجلترا.
فالتباطؤ المتوقع في الاقتصاد العالمي، والنمو المتواضع للاقتصاد البريطاني، متأثرا بإنفاق المستهلكين المتباطئ نتيجة ضعف استثمارات الأعمال التجارية جراء الغموض المحيط بالمشهد الخاص بالعلاقة المستقبلية بين لندن وبروكسل، قد يؤثران في مواقف كارني بشكل واضح.
ويضيف مارك لـ"الاقتصادية"، أن "كارني تبنى خلال الفترة الأولى الخاصة بالطلاق الأوروبي احتمالية أن يؤدي قطع الروابط مع الاتحاد الأوروبي إلى خفض أسعار الفائدة، بهدف زيادة معدلات الإقراض الداخلي، ومن ثم زيادة التدفقات الرأسمالية في الأسواق، والحفاظ على معدلات التوظيف والنمو. لكن وجهة النظر تلك تغيرت لاحقا حيث أعلن كارني دعمه أخيرا فكرة رفع أسعار الفائدة وليس خفضها، وهذا التغير في المواقف جاء نتيجة تبني بنك إنجلترا استراتيجية التخطيط للأسوأ، فاستجابة السياسة النقدية لن تكون تلقائية، بل ستعتمد على توازنات العرض والطلب وسعر الصرف خاصة في مواجهة العملات الرئيسة تحديدا الدولار".
وأطلع كارني مجلس الوزراء البريطاني أخيرا على ضرورة بناء التوجه الاقتصادي البريطاني خلال المرحلة المقبلة على أساس رفع أسعار الفائدة.
لكن السؤال الذي تبحث الأسواق عن إجابة له لم يعد يرتبط كثيرا بما إذا كانت الفائدة سترتفع أم تنخفض، إنما ما هو معدل الارتفاع المتوقع.
وتشير أغلب التوقعات إلى أن الارتفاع سيكون تدريجيا، لتفادي مزيد من الهزات الاقتصادية، وفي هذا السياق أوضح لـ "الاقتصادية"، كريستين جيمس المختص الاستثماري في شركة "إنترناشونال إنفيستمنت"، أن "اختبارات الإجهاد المصرفي للعام الماضي التي تم تقييمها من قبل لجنة السياسة المالية، التي أجريت وفقا لأسوأ السيناريوهات، أكدت أن أفضل أنواع الزيادة في معدلات الفائدة يجب ألا يتجاوز 1 في المائة، والسبب الرئيس يعود إلى الرهن العقاري، فزيادة الفائدة إلى 3 في المائة ستضيف نحو 300 جنيه استرليني إلى التسديدات الشهرية لشخص لديه رهن بقيمة 200 ألف جنيه استرليني لمدة 25 سنة، وإذا فشلنا في التوصل إلى اتفاق تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي، فإن الناتج الإجمالي سينخفض بنحو 8 في المائة، وإذا أخذنا تلك الاعتبارات في الحسبان فإن الزيادة التدريجية ستكون الخيار الأمثل".
في الواقع، إن خيار الزيادة التدريجية ربما يصب في مصلحة الصناعة البريطانية، فأغلب التوقعات تشير إلى أن إحدى أبرز المشكلات التي ستواجه لندن في أعقاب الانفصال، ستتمثل في نقص المعروض من السلع، لأن فرض بروكسل تعريفة جمركية على السلع البريطانية الواردة إليه سيجعل الجزء الأكبر من المنتجات البريطانية غير قادر على المنافسة أوروبيا، وفي مقدمتها السيارات البريطانية، أحد أهم القطاعات الحيوية الكبرى في الاقتصاد البريطاني.
سيؤدي هذا التطور لعديد من الشركات البريطانية إلى تقليص نشاطها الإنتاجي، ومن ثم نقص المعروض، وإذا ترافق ذلك مع زيادة كبيرة في معدلات الفائدة فإن الصناعة البريطانية ستواجه أوضاعا صعبة للغاية، قد تفوق في صعوبتها أزمتها المالية في عام 2008.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية