FINANCIAL TIMES

بعد مريضي برلين ولندن .. أمل جديد في علاج مرض الإيدز

على مدى عشر سنوات، كان تيموثي راي براون الأسطورة الوحيدة المتبقية بين دعاة مكافحة مرض الإيدز.
لقد كان مريض برلين، كما يطلق عليه عادة، الشخص الوحيد الذي كان يعاني مرض نقص المناعة البشرية، الفيروس المسؤول عن هذا المرض، وتعافى منه بشكل دائم.
هذا الأسبوع، انضم إلى براون – على الأقل بشكل مؤقت – رجل آخر، الرجل المجهول الذي يعرف باسم "مريض لندن".
لقد تعافى من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية على مدى 18 شهرا، بعد الخضوع لعملية زرع نخاع العظم من متبرع لديه طفرة وراثية تمكنه من مقاومة الفيروس.
قدم فريق علمي مكون من ممثلين من عدة جامعات في المملكة المتحدة تفاصيل حول الحالة، خلال المؤتمر الذي عقد في سياتل حول الفيروسات الرجعية وحالات العدوى الانتهازية، واصفين تلك الحالة بأنها حالة شفاء طويلة الأجل، على الرغم من أنهم أضافوا أنه من السابق لأوانه التأكد من أنه قد شفي تماما من مرض نقص المناعة البشرية.
حتى قبل عقد مضى، كانت هناك موجة من الإثارة حول الإعلان عن وجود علاج محتمل لمرض عادة ما يظل موجودا مدى الحياة – الذي كان في الماضي يثير رعبا فريدا بسبب عدد الوفيات التي تسبب فيها، في البلدان الغربية وعبر مساحات شاسعة من جنوب صحراء إفريقيا.
المرض لا يزال يشكل تهديدا قويا. وفقا لأحدث الأرقام الواردة من هيئة الأمم المتحدة حول مرض الإيدز، كان هناك 36.9 مليون شخص يعانون مرض نقص المناعة البشرية في عام 2017، و1.8 مليون شخص أصيبوا حديثا بالمرض ونحو مليون شخص ماتوا لإصابتهم بأمراض تتعلق بالإصابة بالإيدز.
مع ذلك، فإن الرد الصامت نسبيا على الأخبار الواردة هذا الأسبوع حول مريض لندن، ينطق بالكثير حول مسار المرض خلال العقد المنصرم – النجاحات الوهمية حول وجود علاجات محتملة، وكذلك أيضا نجاحات مذهلة في علاج هذا المرض.
هذا المرض كان في الماضي يعني حكما بالإعدام، على أن الحقيقة هي أن معظم المرضى ممن لديهم إمكانية الحصول على علاجات لمرض الإيدز، أصبحوا قادرين الآن على العيش من دون أعراض تذكر.
يقول كارل ديفينباك، مدير قسم الإيدز في المؤسسة الوطنية للحساسية والأمراض المعدية في الولايات المتحدة: "نعم، هنالك أشخاص يسعون للحصول على علاج، على أنه يتعين علينا فعل ذلك بأسلوب علمي مسؤول – وعدم الاندفاع بإعطاء الناس آمالا كاذبة، كما يفعل بعض الصحافيين. حالة مريض لندن مهمة، إلا أنها ليست الحالة التي تغير طبيعة الوضع".
على الرغم من أن الأخبار الواردة حول مريض لندن تسببت في إثارة آمال حول احتمالية وجود علاج، إلا أن الخبراء راعوا أن يقدموا عدة أسباب تستدعي الحذر.
أحد تلك الأسباب أن العلاج الكيميائي أو الإشعاعي الحاد لازم من أجل القضاء على النظام المناعي الخاص بالمريض، بحيث يتم قتل جميع خلايا الدم البيضاء، قبل إعادة بناء النظام من خلال عمليات زرع من متبرع لديه بروتين نادر يدعى سي سي آر 5. يستخدم فيروس نقص المناعة البشرية بروتين سي سي آر 5 كبوابة لدخول الخلايا، التي تكون مغلقة لدى أقلية صغيرة من الناس الذين لديهم بشكل طبيعي مقاومة لمرض الإيدز.
تم تنفيذ العملية على الأشخاص الذين يعانون نقص المناعة البشرية، والذين يحتاجون إلى عمليات زرع نخاع العظم لأنهم يعانون مرض السرطان، اللوكيميا في حالة مريض برلين والليمفوما في حالة مريض لندن، ونسبة الحصول على نتائج موفقة منخفضة.
يقول الدكتور ديفينباك: "هنالك شخصان الآن يبدو وكأنهما يعيشان حالة انفراج في علاج الفيروس. يقدر أن عدد الأشخاص الذين خضعوا لمثل هذا الإجراء يصل إلى نحو 20 أو أكثر".
يبدو أن مريض برلين قد تعافى بالتأكيد نهائيا من مرض نقص المناعة البشرية، إلا أنه من السابق لأوانه التأكد من حالة نظيره في لندن.
يتذكر الباحثون في مجال الإيدز الحالات السابقة التي تم خلالها الادعاء بوجود علاج، ثم تبين فيما بعد أنها علاجات غير دائمة. وحالات الفشل التي تم الإعلان عنها تشمل "مريضين في بوسطن" و"طفلا في المسيسيبي"، عادت له العدوى بعد زوالها على ما يبدو لفترات زمنية طويلة.
في الوقت نفسه، تم تخفيف بعض الإلحاح الذي كان في الماضي يحيط بعملية البحث عن علاج لمرض الإيدز من خلال تحقيق إنجازات في علاج المرض.
يشير الأطباء إلى النجاح الباهر الذي حققه العلاج المضاد للفيروسات القهقرية أو إيه آر تي - أدوية تقليدية تؤخذ عن طريق الفم مرة واحدة يوميا - في القضاء على مرض نقص المناعة ووصوله إلى مستويات لا يمكن اكتشافها، من خلال الاختبار السريري العادي وليس لها أي تأثير في صحة المريض.
وفقا لبرنامج الإيدز في الأمم المتحدة، يتلقى 21.7 مليون شخص في كل أنحاء العالم علاج إيه آر تي. وتبلغ قيمة السوق العالمية لأدوية مرض نقص المناعة نحو 28 مليار دولار سنويا، وتمتلك شركة جيلياد للعلوم في الولايات المتحدة الحصة الأكبر، تتبعها شركة جلاكسو سميث كلاين في المملكة المتحدة.
الأدوية آمنة للغاية وفعالة جدا لدرجة أنه يتم استخدامها من قبل أعداد متزايدة من الناس، الذين يعانون درجة خطورة مرتفعة من الإصابة بمرض نقص المناعة، إلا أنهم غير مصابين، وهو إجراء يعرف باسم الوقاية ما قبل الإصابة.
تقول كلوي أوركين، متخصصة في مرض الإيدز في جامعة كوين ماري في لندن: "لا يزال أمام لقاح مرض نقص المناعة شوط طويل، ويبدو أن استراتيجيات العلاج قاسية جدا في الوقت الراهن، مع ذلك يتيح لنا العلاج المضاد للفيروسات فرصة عيش حياة صحية طبيعية".
قدم كل من البروفسورة أوركين وسوزان سوينديلز من المركز الطبي في جامعة نبراسكا دراستين سريريتين في المؤتمر الذي عقد في سياتل، حيث أظهرت الدراستان أن الحقن المضاد للفيروسات طويل المفعول مرة واحدة في الشهر، يقضي على فيروس نقص المناعة البشرية بدرجة فاعلية الأقراص اليومية نفسها.
التجارب قارنت تركيبة الحقن المكونة من عقارين – التي تم تطويرها من قبل شركة فيف للرعاية الصحية Viiv، وقسم نقص المناعة البشرية في شركة جلاكسو، مع شركة جونسون آند جونسون في الولايات المتحدة – مع علاج يومي قياسي يعطى عن طريق الفم يجمع بين ثلاثة أدوية مختلفة. فضلت الغالبية العظمى من المشاركين أخذ حقن شهرية بدلا من تناول أقراص يومية.
تقول البروفيسورة سوينديلز: "النتائج الإيجابية فيما يخص سلامة وفعالية المنتج، تعزز إمكانات هذا الخيار الأول القابل للحقن وذي المفعول الطويل لأشخاص يعانون مرض نقص المناعة البشرية. وهذا النهج المبتكر ربما يساعد على التخفيف من وطأة العبء الذي كثيرا ما يرتبط بأنظمة العلاجات اليومية التي تؤخذ عن طريق الفم، ويسهم في جعل هذا المرض يشكل جزءا أصغر حجما في حياة الناس".
عقب النجاح الذي حققته تلك المحاولات، تتوقع شركة فيف التقدم للحصول على موافقة من الجهات التنظيمية، من أجل تسويق المزيج الشهري القابل للحقن هذا العام. كما أن هناك دراسة سريرية أخرى تعمل على تقييم النوعية ذات المفعول الأطول أجلا من هذا العلاج الذي يجري حقنه كل شهرين.
تقول البروفيسورة أوركين، التي ترأس جمعية مرض نقص المناعة البشرية البريطانية: "من حيث العلاج، السيطرة على مرض نقص المناعة البشرية أسهل من السيطرة على مرض السكري".
كما تشير أيضا إلى أن أكثر من 98 في المائة من الأشخاص الذين يتلقون علاجا مضادا للفيروسات الرجعية، ليس لديهم فيروس يمكن تعقبه في الدم "والأدلة المقدمة على مدى السنوات القليلة الماضية تبين بكل وضوح أن الشخص الذي لديه مستويات مستدامة وغير قابلة للتعقب من فيروس نقص المناعة البشرية في الدم لا يمكنه نقل الفيروس إلى شريكه الجنسي".
لذلك، هناك شعار يسمع بشكل متزايد في حقل الإيدز ينص على أن: يو تساوي يو، أي أن الفيروسات التي لا يمكن اكتشافها غير قابلة للعدوى. وبالتالي فإن توفير العلاج للفيروسات الرجعية لأي شخص يحتاج إليه هو من أولويات الصحة العامة في كل أنحاء العالم.
تم تشجيع دعاة حملة الإيدز المشاركين في مؤتمر سياتل إلى سماع النتائج التي تمخضت عن دراسة شملت مليون شخص في جنوب إفريقيا وزامبيا – تجربة الوقاية الأكثر شمولا في العالم من مرض نقص المناعة – أظهرت وجود تراجع بنسبة 30 في المائة في عدد الإصابات الجديدة من خلال الجمع بين المشورة والاختبارات، ومن ثم الإحالة إلى العلاج والرعاية للذين ثبت أنهم يعانون المرض.
يقول ميتشل سيديبيه، المدير التنفيذي لبرنامج الإيدز في الأمم المتحدة: "تظهر هذه الدراسة المهمة بكل وضوح التأثير الحاسم للوقاية المجتمعية من مرض نقص المناعة، والاختبار وربط ذلك بالعلاج.
وتعزز أيضا دعوة برنامج الأمم المتحدة إلى وجود مزيد من العاملين في مجال الرعاية الصحية المجتمعية في كل أنحاء إفريقيا، والحاجة إلى زيادة الاستثمار في الوقاية من المرض وعلاجه، بما في ذلك وجود أدوات وأنظمة جديدة وأفضل لتقديم الأدوية.
حتى مع ذلك، الإثارة التي شعر بها كثير من الناس إزاء الأخبار الواردة هذا الأسبوع حول مريض لندن، دلالة على تلهفهم للحصول على علاج من شأنه أن يستأصل بشكل موثوق فيروس نقص المناعة من مخابئه العميقة داخل النظام المناعي، وتفادي الحاجة إلى تناول العلاج مدى الحياة، سواء كان على شكل حبوب أو حقن.
يتقبل فريق لندن فكرة أن تعقيد العملية التي تم التوصل إليها ودرجة سمية العلاج الكيميائي، تعني أنه ليس بالإمكان أن يصبح علاجا قياسيا لهذا المرض.
يتيح الأمل نحو تطوير استراتيجيات أبسط وأكثر رفقا ربما تساعد على القضاء على المرض، من خلال استهداف "مستقبِل" سي سي آر 5 الذي يعتمد عليه الفيروس.
يقول رافيندرا جوبتا، بروفيسور في كلية لندن الجامعية، قائد المشروع: "أثناء استكمالنا للبحوث، نحن بحاجة إلى أن نفهم ما إذا كان بإمكاننا استهداف هذا المستقبِل لدى الأشخاص الذين يعانون المرض، الأمر الذي ربما يكون ممكنا من خلال العلاج الجيني".
من قبيل الصدفة، طفرة سي سي آر 5 المقاومة لفيروس نقص المناعة التي تم إدخالها إلى جسم مريض لندن، من خلال عملية زرع نخاع العظم هي الطفرة المستهدفة نفسها من قبل هي جيانكوي، العالم الصيني المثير للجدل الذي تمكن من استنساخ أول أطفال رضع معدلين جينيا في العالم العام الماضي.
تلقى الدكتور إدانة عالمية من حيث الأسس الأخلاقية والأسس المتعلقة بالسلامة، عندما كشف النقاب عن ولادة توأم كان قد تم تعديل جينات سي سي آر 5 لديهما، من خلال استخدام تقنية تحرير الجينات المعروفة باسم كريسبر.
لا أحد يشير إلى أن عزل فيروس نقص المناعة البشرية في الأجيال المستقبلية، يبرر الإجراءات غير الأخلاقية والمحفوفة بالمخاطر التي اتبعها الطبيب، على أن هناك في الأصل بحوث جارية للتحقق من إمكانات تقنية كريسبر كعلاج جيني لمرض الإيدز.
على سبيل المثال، استمع مؤتمر سياتل لدراسات أجريت على القردة، حيث يتحقق العلماء من تقنية كريسبر لتعديل جينات فيروس نقص المناعة والقضاء عليها في الخلايا المصابة،
يطلق عليها البروفيسور ديفينباك "أول تجربة متعمقة بالفعل تم الإبلاغ عنها باستخدام تقنية كريسبر" في بحوث الإيدز.
ويقول: "وضع فريق في جامعة تمبل في فيلادلفيا نظام كريسبر في فئة الأوليات من غير البشر. وكان فاعلا بشكل مثير للدهشة. وهذا يمنحنا الأمل بأنه على المدى الطويل، يمكننا استخدام نظام كريسبر مع الناس بالطريقة نفسها، لكن ذلك لا يزال في مراحله الأولى".
حتى الأشخاص المنشغلين بقضايا عاجلة مثل اختبار نقص المناعة البشرية وإمكانية الوصول إلى الأدوية في العالم النامي، يعبرون عن اندهاشهم وإعجابهم بهذا الوعد العلمي.
يقول الدكتور سيدي بيه: "العثور على علاج لمرض نقص المناعة هو أقصى أحلامنا. ورغم أن الفتح العلمي في مريض لندن معقد وأن هناك حاجة إلى عمل أكبر بكثير من قبل، إلا أنه يعطينا أملا كبيرا بأنه سيكون في مقدورنا إمكانية القضاء على الإيدز من خلال العلم، عن طريق لقاح أو علاج".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES