المشراق

حمارة القايلة .. أسطورة التخويف

تنتشر في أرجاء العالم العربي أسطورة "حمارة القايلة"، والقايلة وقت القيلولة، وهي الظهيرة مع شدة الحر. أما الحمارة على لفظ أنثى الحمار، لكن المقصود بها كائن مخيف ومرعب شبيه بالغول والسعلاة، أو السعلوة كما تنطق في بعض المناطق، ويقولون إن لهذا الكائن جسد إنسان ووجه وأطراف حمار. وقد أدركت في طفولتي بعض الأهالي يخوفون أولادهم من "حمارة القايلة" التي تأكل الأطفال. وهذه الأسطورة معروفة في أغلب أنحاء العالم العربي، ولا سيما في الجزيرة العربية والخليج العربي، وبلاد المغرب العربي.
وفي معاجم اللغة وكتب الأدب والتراث العربي يرد ذكر "حمارّة القيظ"، وسأورد بعض النصوص التي تتعلق بها.
قال المبرد في "الكامل"، "وقوله: هذه حمارّة القيظ"، فالقيظ الصيف، وحمارّته: اشتداد حره واحتدامه". وفي كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، "والزعارّة، الراء شديدة، شراسة في خلق الرجل، لا يكاد ينقاد، ولا يلين، ولا يعرف منع فعل، وليس لها نظائر إلا حمارّة القيظ، وصبارة الشتاء، وعبالة البقل، ولم أسمع منه فاعلا ولا مفعولا، ولا مصروفا في وجوه". وقال السيوطي في "المزهر"، "حمارّة القيظ وصبارة البرد: شدتهما". ونص ابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" أن حمارّة القيظ، بتشديد الراء. وجاء عند الزمخشري في أساس البلاغة، "ومن المجاز: جاء بغنم حمر الكلى، وسود البطون أي مهازيل. وموت أحمر. واحمر البأس: اشتد. وسنة حمراء. ومنه خرجوا في حمارّة القيظ أي في شدته. ووطأة حمراء ودهماء أي جديدة واضحة بيضاء، ودارسة غير بينة. ورجل أحمر: لا سلاح معه، ورجال حمر".
وفي "لسان العرب" لابن منظور تفصيل مفيد جاء فيه، "وحمارّة القيظ، بتشديد الراء، وحمارته: شدة حره؛ التخفيف عن اللحياني، وقد حكيت في الشتاء وهي قليلة، والجمع حمار. وحمرة الصيف: كحمارته. وحمرة كل شيء وحمره: شدته. وحمر القيظ والشتاء: أشده. قال: والعرب إذا ذكرت شيئا بالمشقة والشدة وصفته بالحمرة، ومنه قيل: سنة حمراء للجدبة. الأزهري عن الليث: حمارّة الصيف شدة وقت حره؛ قال: ولم أسمع كلمة على تقدير الفعالّة غير الحمارّة والزعارّة؛ قال: هكذا قال الخليل؛ قال الليث: وسمعت ذلك بخراسان سبارّة الشتاء، وسمعت: إن وراءك لقرّاً حمراً؛ قال الأزهري: وقد جاءت أحرف أخر على وزن فعالّة؛ وروى أبوعبيد عن الكسائي: أتيته في حمارّة القيظ وفي صبارّة الشتاء، بالصاد، وهما شدة الحر والبرد. قال: وقال الأموي أتيته على حبالة ذلك أي على حين ذلك، وألقى فلان علي عبالته أي ثقله؛ قاله اليزيدي والأحمر. وقال القناني أتوني بزرافتهم أي جماعتهم، وسمعت العرب تقول: كنا في حمراء القيظ على ماء شفية وهي ركية عذبة. وفي حديث علي: في حمارّة القيظ أي في شدة الحر. وقد تخفف الراء. وقرب حمر: شديد. وحمر الغيث: معظمه وشدته. وغيث حمر، مثل فلز: شديد يقشر وجه الأرض. وأتاهم الله بغيث حمر: يحمر الأرض حمرا أي يقشرها".
وفي النصوص السابقة توضيح لبعض المفردات والجمل التي تستخدم اليوم عند بعض العرب، فما زلنا إلى اليوم نقول "الموت الحمر"، وغالبا تقال عند انبهارنا بجمال فتاة. وكذلك شرح كلمة أزعر وزعران المستخدمة إلى اليوم في دول الشام.
ونعود إلى لب الموضوع؛ فهل هناك علاقة بين ما ورد في كتب التراث العربي عن حمارّة القيظ، وما يرد في أساطيرنا الشعبية في القرون الأخيرة عن "حمارة القايلة". يرى البعض أن لهما صلة ببعض، وأن الجملة الثانية تطورت مع مرور السنين عن الأولى، وفهمها الناس خطأ فحوروا معناها ثم جعلوها أسطورة. وقد حاولت أن أبحث عن أي دليل يسند رأيهم فلم أجد، ولم يتبين لي أي علاقة أو صلة تربط بين الجملتين، فـ"حمارّة" الأولى تتحدث عن شدة الحر وقت القيظ، وهي مدة زمنية تستمر شهرين أو أكثر. أما "حمارة" الثانية فالمقصود بها أنثى الحمار، والقايلة في الظهيرة في شدة الحر، وهي مدة تستمر ساعتين أو ثلاثا يوميا، والجملة الثانية تتحدث عن إحدى السباحين "جمع سبحونة"، وهي سليلة أسطورة قديمة معروفة عند العرب وغيرهم.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق