بناء اقتصاد احتوائي «2 من 2»

|


في العقود الأخيرة، وضعت بلدان الشمال برامج الإجازة الوالدية المشتركة، التي تقدم جزءا محددا من الإجازة لكلا الوالدين بنظام "استخدم أيام الإجازة أو اخسرها"، بمن في ذلك الأزواج من الجنس نفسه والوالدان بالتبني. ويتيح النموذج الآيسلندي - الذي تموله الحكومة والشركات - لكل من الوالدين استخدام إجازة مدتها ثلاثة أشهر إلى جانب ثلاثة أشهر إضافية يمكن تقسيمها بين الوالدين حسب اختيارهما. وستقوم حكومة بلدي بتمديد هذا الاستحقاق لفترة أطول. ويأتي ذلك في إطار جهد أوسع نطاقا يهدف إلى سد الفجوة بين الإجازة الوالدية والرعاية النهارية عالية الجودة الممولة من الحكومة التي تقدم الآن بدءا من سن الثانية، وهي الفجوة التي يغطى معظمها الآن من خلال رعاية الأطفال المدعمين.
وقد تم تطبيق النموذج الحالي على مراحل منذ عام 2000 وأدى - بجانب سياسات الرعاية الشاملة للطفل- إلى تحول المجتمع الآيسلندي، وفي الوقت نفسه تدعيم الاقتصاد. فقد حدث تحول في العقلية، حيث ترى الأسر الآن أن واجبات الوالدين ورعايتهما للأبناء ينبغي تقاسم مسؤوليتها بالتساوي بينهما. وأقام الآباء علاقات أفضل مع أبنائهم، ولم يعد هناك أساس للحجة القديمة بأن النساء لا يمكن توظيفهن أو ترقيتهن لأنهن جميعا سينسحبن من سوق العمل. وعلى المستوى الشخصي، لولا سياسات بلدي الداعمة للأسرة لما صرت رئيسة وزراء وأما لثلاثة أولاد رائعين.
فهل هذا يعني أن آيسلندا قد حلت الشفرة وأن الجميع يتمتعون بحقوق وفرص متساوية؟ مع الأسف لا. فلا تزال الفجوة في الأجور بين الجنسين قائمة، ولا تزال الوظائف التي تشغلها النساء عادة مقدرة بأقل من قيمتها ويتقاضين عنها أجرا أقل من المستحق في سوق عمل لا تزال مفرطة في الفصل بين الجنسين. ولم ننجح في القضاء على العنف والتحرش، كما يتعرض أطفالنا للقوالب النمطية الجنسانية كما هي حال الأطفال في كل أنحاء العالم. لكننا أحرزنا تقدما. فنسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة تبلغ 80 في المائة تقريبا، أي أقل بقليل من نسبة مشاركة الرجل التي تبلغ 87 في المائة، غير أنها تتطابق تقريبا مع متوسط نسبة مشاركة الرجال في بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. ويعد النشاط الاقتصادي المكثف القائم على مساهمة الجميع بمختلف أجناسهم عنصرا أساسيا في اقتصاد آيسلندا، حيث معدل البطالة منخفض بشكل ملحوظ ولا يتجاوز 2.9 في المائة. إن احتواء وتحرير الكثيرين، وليس القليلين، هو الإجراء الصحيح الذي يجب القيام به ليس من منظور العدالة الاجتماعية فحسب وإنما أيضا من المنظور الاقتصادي.
وهو أحد الأسباب العديدة لمشاركة آيسلندا الآن في مجموعة حكومات اقتصاد الرفاهية، التي تعمل على تحقيق الاستدامة والرفاهية للجميع، في سياق أهداف التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة.
وتعد المساواة بين الجنسين هدفا مهما من هذه الأهداف، وهو هدف لا يتحقق تلقائيا. فهو يتطلب رؤية أيديولوجية، وكفاحا سياسيا، وعملا من جانب الحكومات والشركات والمجموعات الاجتماعية. ولا يزال تحرير المرأة والأقليات يشكل إحدى المهام العاجلة على الصعيد السياسي في الوقت الحالي. وعلينا أن نمضي قدما في تنفيذ سياسات اقتصادية تقدمية تتحدى القوالب النمطية الشائعة عن التكاليف والمنافع وتواصل تعزيز المساواة بين الجنسين في إطار جدول أعمال مستقبلي للعدالة الاجتماعية. وسيتم الحكم على جيلنا من خلال مدى نجاحنا في هذا المجال.

إنشرها