الخطر على وظائفنا

|

بعد الحرب العالمية الثانية بدأت موجة العولمة العظيمة التي امتدت من الحرب إلى الأزمة المالية والاقتصادية العالمية قبل نحو عشر سنوات؛ بعدها بدت هناك درجة من التراجع عبر عنها تحول نحو السياسة الشعبوية على أثر نتائج وإفرازات التجارة العالمية التي هي جوهر العولمة اقتصاديا خاصة بعد تزايد حضور وتأثير اقتصادات التواصل والشبكة العنكبوتية الحديثة. أحدثت الموجة خللا في أنماط التجارة وتوزيع الصناعة من الدول المتقدمة إلى الدول النامية. بدأ الأمر يأخذ بعدا سياسيا بعد خسائر مؤثرة في وظائف الطبقة العاملة في الصناعة، حيث الأجور عادة تكون أعلى منها في قطاع التجزئة وكثير من الخدمات وبالتالي إلى تشوهات في توزيع الدخل في المجتمع الذي بدوره جر إلى توترات داخلية في كثير من البلدان. التردد في تحمل تبعات استمرار العولمة أدى إلى المراجعة والتوقف أحيانا لكن التغيرات الاقتصادية والتقنية العلمية ممثلة في الروبوتات والذكاء الاصطناعي لم تتوقف ولذلك هناك تهديد جديد على الوظائف الوسطى والعليا في كل الدول خاصة المتقدمة منها وحتما سيصل للوظائف ذات الدخل العالي في الدول النامية. عبر رتشاد بلادون أستاذ إدارة الأعمال في معهد جنيف للدراسات العليا عنها في كتاب حول "التقارب الكبير" بين الدول اقتصاديا في 2016، وظهر بكتاب جديد هذا العام حول "العولمة التقنية" يناقش فيه التهديد على الوظائف الوسطى والعليا.
انتشار الروبوتات والذكاء الاصطناعي سيغير جذريا في توزيع العمل والعمالة دوليا، فانتشار هذه التقنيات والوسائل سيعرض الوظائف الوسطى والعليا لكثير من المنافسة الأجنبية. فهذه الوظائف لم تتعرض كثيرا للمنافسة أثناء الموجة العظيمة، بل إن أصحابها استفادوا كثيرا من البضائع المصنعة في الدول النامية. لكن الموجة الجديدة من العولمة التقنية "الروبوتات والذكاء الاصطناعي" سيكون لها تأثير مباشر في دخول أصحابها. فهناك لوغرتمات تستطيع التنبؤ بما يعجبني من كتب وأخرى تعرف ما يعجبك من الأغاني، هذه التقنيات تبدأ ببطء في البداية لكنها سرعان ما تنمو بسرعة تضاعفية لتصل إلى الكل وتأثيرها يصبح محسوسا حين يبدأ المبادرون في استغلالها تجاريا. وبالتالي تصل اقتصادات سوق العمل والعمال وتختصر كثيرا من الأعمال والخطوات والتجميع والتكرار والسرعة إلى حد تغيير اقتصادات هذه المهن. من منطلق اقتصادي عام ليس هناك ما يخيف لأن التقنية في الأخير تمكن الجميع من إنتاج أكثر بمدخلات أقل، ولكن التأثير الأهم سيكون في التوزيع بين البلدان وبين الناس في البلد الواحد.
لذلك هناك تحديات تبدأ في الحاجة إلى بعض السياسات الحمائية في الصناعة والتجارة، ولكن قد تكون هذه أسلحة الماضي لأن صناعات الجيل الرابع خاصة الطباعة ثلاثية الأبعاد وانتشار المعرفة المعلوماتية قد تمكن البعض من اللحاق إذا استطاع رفع مستوى التنظيم والمعرفة والتعليم والاستثمارات ولكن الخطر الداهم حين يستطيع الآخرون تحويل بعض الأعمال المالية والمعلوماتية والخدمات العليا مثل القانونية والصحية تنتقل بسرعة إلى دول أخرى وبحجم مؤثر في مداخيل المختصين في البلد.
حين كان التحدي لطبقة معينة والفوائد كثيرة للأغلبية خاصة المؤثرين في المجتمعات تم تدارك بعض المخاطر والتعامل معها من خلال سياسة توزيعية معقولة لكن حين تصل الطبقات الوسطى والعليا فإنها ستثير غضبا متوقعا في أوساط كثيرة ولذلك لا بد من التفكير في طبيعة التحدي والتعامل معه بطريقة لا تحاول أن تعوق درجة التقدم ولا تضر بنقل التقنية والمعارف من ناحية وتقلل المخاطر من ناحية اخرى. لذلك علينا أخذ سياسة تمكن معرفي وتقني. قادرة على هذا التوازن واللحاق بالدول المتقدمة. لحسن الحظ هناك حراك في المملكة في هذا التوجه ولكن علينا تلخيص طبيعة التحدي والدقة في الحلول المقترحة.

إنشرها